الشيخ عبد الغني النابلسي

81

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

وركعة شكرا لظهور النّور ، كما هو مقرّر في محلّه ، فدخلنا هذا المصلّى ودعونا اللّه تعالى فيه لنا وللإخوان ، وذهبنا فصلينا العصر بالجماعة في الجامع الكبير « 1 » ، بمكان فيه يسمّى بالمارستان ، ثمّ عدنا إلى ما كنّا فيه من منزلنا المبارك في ذلك المكان ، وحضر عندنا جماعة من الإخوان ، وذكرنا مبحث الولاية والأولياء ، وبيّنا فضيلة الوليّ الصّاحي على الولي المجذوب ، وقلنا إن صاحب الحال أدنى من صاحب المقام ، فما استتممنا الكلام حتى سمعنا في خارج البيت الذي كنا فيه صيحة عظيمة وضجّة ، فإذا هو مجذوب يريد الدخول علينا فدخل حتى ارتجّ منه ذلك المنزل رجّة ، ثم جاء فصافحنا وقد ظهر عليه أثر الغضب ، فعلمنا أنّنا مع أهل الجذب أسأنا الأدب ، فرجعنا في الباطن والظاهر عمّا كنّا نقرّره من ذلك ، فإنّ صاحب المقام الواصل ربّما أثّر فيه صاحب الحال / السّالك ، فصاحب الحال يفضّل الحال على المقام ، لأنه يكون عنه التأثير فيما يظهر للأنام ، وهذا قبل عند العوام ، ثم إنّ ذلك المجذوب ظهر منه البشر واللّين في ذلك الحين وذلك من إحساس روحانيته بما هو في الكمين ، كما هو عادة المجذوبين ، وهو رجل من أهل قرية قيصين ، بكسر القاف بعدها ياء مثنّاة تحتيّة ساكنة وصاد مهملة مكسورة ، قرية من أعمال نابلس ، واسمه الشيخ نصّار بتشديد الصّاد المهملة ، وللناس فيه اعتقاد حسن ، ثم عدنا أيضا بعد المغرب إلى الجامع الكبير ، وحضرنا محيا الشّاذلية « 2 » الشّريف مع الإخوان من كبير وصغير ، وحصل في تلك اللّيلة لهم وجد كثير .

--> ( 1 ) الجامع الكبير في شرقي المدينة ، طوله 300 خطوة وعرضه مائة خطوة . ومحرابه كبير جدا ، وأصله كنيسة بناها الإمبراطور جستنيان ، وأعاد الإفرنج بناءه سنة 563 ه ، ثم حوّله صلاح الدين إلى مسجد ، وأجريت عليه عدة إصلاحات آخرها إصلاحات الأمير مصطفى بك الفقاري ، وهي التي أعطته الشكل الحالي . الموسوعة 2 / 91 ، وآثارنا في فلسطين / 58 . ( 2 ) انظر فيما يلي .