الشيخ عبد الغني النابلسي
67
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
جرن صغير من خشب يدقّ فيه البنّ ، ومحمصة من حديد صغيرة ، وكلّ من دخل إليه لا يخرج من عنده حتى يسقيه القهوة « 1 » ، ويعمل القهوة من كل ما تيسّر له من قمح وشعير وذرة وحمّص ، ولا يشربها الحاضرون إلّا قهوة طيبة . وأخبرونا أنه إذا أراد الحطب يقلع الشجرة الكبيرة بعودة صغيرة ويكسرها بيده ويأتي بها ويضعها في المغارة . ولما دخلنا سلّمنا عليه ، فرد علينا السلام ، وهو عبد أسود يغلب عليه السكوت والإصطلام ، وأخبرنا الشيخ مصلح بشيخ قرية يعبد المذكورة أنّه كان عبدا لبعض أهل تلك القرية ، وكان يرعى لهم غنما ، فحصل له هذا الجذب وترك رعي الغنم وأعتقه سيده ، فكان يتردد إلى القرية بعد موت سيده ، ثم انقطع في تلك المغارة وصار الناس يزورونه فيها ويقصدونه من كل مكان ويعتقدونه ويتبرّكون بكلامه ، ويشاورونه في أمورهم ، وسألته عن حال إخواني وجماعتي الذين أنا سائر معهم الآن إلى بيت المقدس فقال : هم بك في نعمة وخير ، وذكر لنا كلاما كثيرا فيه البشارة لنا بالخير وإنجاح المقاصد ، والأمن والسلامة . وكان معنا حين دخلنا عليه ، مجذوب صغير من مجاذيب دمشق الشّام وقد ذكرناه فيما تقدم من الكلام ، فلما دخل عليه ذلك المجذوب وكلّمه ضحك منه ضحكا كثيرا ، ثم قال إنّه ثقيل ، ثم قرأنا الفاتحة وودّعناه وانصرفنا . ثم بتنا تلك الليلة ، وقد ذبح لنا الشيخ مصلح ذبيحة وصنع لنا الطعام الكثير ، وعلّق على الدواب بالشعير ، وقد قصدنا جماعة من الفلاحين بقرية من قرى صفد ، وكانوا نحو العشرين من الخيّالة ، فدخلوا إلى تلك القرية ، وأضافهم أهلها وأخبرنا / رجل من المجاذيب ، كان في تلك القرية ،
--> ( 1 ) دخلت القهوة أو البن إلى بلاد الشام في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري ، وقد اختلف الفقهاء آنذاك في أمرها ، كما اختلفوا في أمر الدخان ، فأحلّها بعضهم وحرّمها بعضهم ، وقد ذكر الغزّي في ترجمة لالا مصطفى باشا ، وإلي الشام العثماني أنه كان يحترم العلماء ، فصلّى يوما في جامع بردبك ( بين الحواصل ) والمعروف بالجامع الجديد ، ومعه الدفتردار والأغوات ، فتطرّق الخطيب العيثاوي إلى القهوة وحرّمها ، وكان الوالي يتعاطاها ، فغضب لذلك وعقد له مجلسا فقهيا وذلك في حدود سنة 971 ه أي سنة 1563 م انظر الكواكب السائرة 3 / 207 .