الشيخ عبد الغني النابلسي
357
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
اليوم الثالث والأربعون [ الاثنين 29 رجب - 8 أيار / مايو ] وكان ذلك اليوم يوم الاثنين الثالث والأربعين من هذا السّفر الذي كملت لنا به إن شاء اللّه تعالى أمور الدين ، في زيارة الأنبياء والأولياء والصّالحين ، فذهبنا نصعد في ذلك الجسر الطويل ، نمشي تارة ونركب أخرى ، حتى قطعنا تلك الأحجار المصفوفة في ذلك السبيل ، وكان معنا دابة ضعيفة السّير ، مع كثرة ذلك الربيع والخير ، فوقفت تحت ذلك الحمل الذي عليها ، ويئسنا منها ممّا كان لديها ، فرجعنا بعد التقدم ، فوجدنا بنيان جسدها قد آل إلى التهدّم فأخذنا حملها ، ووضعناه على غيرها من الدواب ، وتركناها ترعى هناك مع خادم لنا لا يخاف من أحد ولا يهاب ، وقلنا له : امش معها قليلا قليلا ، فلعلّها أن تجد إلى الوصول سبيلا ، ثم مشينا في تلك الغابة الطويلة العريضة ، وتركنا هناك تلك الدابة المريضة ، ووجدنا رجلا من رعاة الغنم ، وكأنّه من جمودته صنم ، فقلنا له : صح على خادمنا فلان بصياحك المعهود ، فصاح بأعلى صوته في تلك الغابة ، فكأنّه صوت الرعود ، وصاح الثانية والثالثة فلم يسمعه لبعد المسافة ثم قصد انصرافه ، فأرسلنا معه رجلا على فرس ليسلّم الراعي الدّابة المذكورة ، فيأتي بها إذا قويت على السّير إلى القنيطرة المعمورة ويلحق بنا ذلك الخادم الذي تركناه هناك ولا يكون له تعويق ولا اشتباك فلمّا قاربنا الوصول ، ودنت منا أوقات النزول ، خشينا على من أرسلنا من الرجال وتلك الغابة مشهورة بقطّاع الطريق من أهل الجلاد والجدال ، فوجدنا راعيا آخر وأمرناه بالصّياح على رفيقنا الذي سار في تلك الغابة وساح ، فصاح بأعلى صوته مرارا ثلاثا فلم يجد له سامعا ولا لجوابه انبعاثا ، فقطعنا اليأس من الجماعة وقلنا أخذهم العدوّ في هذه السّاعة ، وكان معنا مفخر الأعيان والأماجد ، وخلاصة الأماثل ذوي / المحامد خداوردي جربجي المشهور بابن الرّاعي فقلنا له يا بن الراعي ، ناد بصوتك أنت على الراعي ، فوقف وصاح بصوته وإذا بجواب رفيقنا الذي ذهب ، فكان جوابه كهبة الذهب ، فقلنا له إن كان لك في هذا الشيء