الشيخ عبد الغني النابلسي

304

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

إلى زيارة مفخرة الأعيان ، وحدقة عين الإنسان ، صالح أفندي الشهير بابن العسلي ، المتقدم ذكره ، والطير لا يطربه إلا وكره ، والمحبّة تجذب القلوب ، فيقيد المحبّ إلى محبوبه فكره ، حتى دخلنا إلى داره السّعيدة وحضرته الفريدة ، فتلقّانا بصدره الواسع ، ورحّب بنا فنعمنا بقدره الشاسع ، وجلسنا بذلك المجلس اللطيف والمقعد المنيف ، ووضع لنا الأنبوب الفوّار بالماء الذي يوضع له فيرتفع منه المنار ، وهو مبنيّ بالرخام ، نزهة للأنام وفي ذلك قلنا من النظام : وفوّارة يعلو بها الماء صاعدا * لها مدد ، لكن بتدبير ذي الحجا كرمح رماه ساعد اليد للسّما * فصادفه بعد السّما فتعوّجا ثم صعدنا إلى ذلك القصر العالي ، وتنعّمنا بكوكبه المتلالي ، ورأينا من لطائف كتبه أشباه الجواهر واللآلي ، ثم لم نبرح حتى ورد علينا وارد الكمال بإقبال عين الإقبال ، وروح جسد المهابة والإجلال ، الحسيب النسيب السيد عبد اللطيف أفندي المتقدم ذكره في أثناء هذه الطروس ، لا زالت البلاد مشرقة بجنابه المحروس ، فجلس حتى طاب ذلك المجلس ، وكاد الخليع من الطرب أن يقوم ويجلس ، وجرت بيننا اللطائف الأدبية ، والكلمات المستظرفة المرضيّة ، فطلب منّا أن نكون عنده في اليوم الثاني على حسب ما ينبعث عن المودّة من نزول المثاني ، وقرع أصوات المثالث والمثاني ، فأجبناه إلى ما دعا ، وملأنا بإجابته الدعا ، ومن خوطب بلسان المحبّة وعى ، ثم انقضى أمد ذلك المجلس الميمون ، وانطوى بساط تلك الأحاديث والحديث شجون . ثم ذهبنا مع الإخوان إلى جهة دير صهيون ، وقصدنا زيارة نبيّ اللّه داود عليه السلام ، وكان دعانا إلى ذلك خلاصة عين العيون ، وعقد جواهر اللؤلؤ المكنون ، الشيخ يحيى الدجاني ، المذكور فيما مضى بين أوراق / هذه المعاني ، وهو خادم هاتيك الحضرة الداودية ، ومشعشع أنوار تلك المصابيح