الشيخ عبد الغني النابلسي

295

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

وأرحنا الرّواحل والرّماك ، وهي ثلاث برك ، كلّ واحدة أعلى من الأخرى ، ملآنة من الماء المجتمع من الأمطار والسّيول ، ومن عين هناك لطيفة المجرى ، ومقدار كل بركة منها نحو المائة ذراع في الطول ، وقريب من ذلك في العرض ، والعمق لم نعلمه لامتلائه بالماء ، وظننا أنّه نحو العشرة أذرع في الأرض ، وهناك قلعة مبنية بالأحجار ، مؤسسة على الصخور الكبار ، وفيها رجل من الفلاحين يسكنها بأهله وأولاده وأعوانه وأجناده ، لأجل حراسة تلك البرك من الإفساد ، ومع ذلك يتعدّى بعض العرب والفلاحين على مجرى الماء منها إلى المدينة ، فيخربه من فرط العتوّ والعناد ، حتى يحتاجوا إلى إصلاحه ، وتسوية ما انكسر من جناحه ، ثم لمّا أخذنا حظّنا من النزول ، وكنّا سرنا من بلاد الخليل بعد طلوع الشمس بأكثر من ساعة رملية ، ومكثنا حصّة في قرية حلحول ، ثم ركبنا وسرنا على ظهور رواحلنا والخيول ، وكان ذلك قبيل وقت الظهر ، فجاوزنا البرك قليلا ، فصادفنا صديقا خرج من مدينة القدس إلى ملاقاتنا وخليلا ، ثم سرنا حصّة من الزّمان ، فعرض لنا أن نزور قرية بيت لحم ، لأجل ما اشتملت عليه من المزارات الرفيعة الشّان . [ بيت لحم ] قال الهروي في زياراته : بيت لحم بلدة « 1 » بها مولد عيسى عليه السلام ، ويقال إن داود وسليمان قبراهما فيه ، وبهذه الكنيسة آثار وعمارة عجيبة من الرخام والفصّ المذهّب والعمد ، وتاريخ عمارتها يزيد على ألف ومائتي سنة « 2 » ، منقور في حجر لم يتغيّر إلى زماننا هذا ، وبه محراب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، لم تغيّره الفرنج إلى الآن ، وذكر قبل ذلك في

--> ( 1 ) مدينة قديمة منذ 2000 ق . م وكانت تسمى ( بيت إيلو لاهاما ) أي الإله لا حاما ، وهو اسم كنعاني ، وفيها ولد داود والسيد المسيح عليهما السّلام ، انظر الدراسة الموسعة عنها في الموسوعة الفلسطينية 1 / 457 وما بعد . ( 2 ) بنتها الأمبراطورة هيلين أم قسطنطين سنة 330 م ، ثم هدمت فأعاد بناءها الإمبراطور جستنيان في القرن السادس وسميت كنيسة المهد ، وهي ليست أقدم كنيسة في العالم لأن أقدم كنيسة في العالم هي كنيسة وجدت في دورا أوروبس وتعود لسنة 232 م انظر قاموس الكتاب المقدس / 206 وتاريخ سورية ولبنان لفيليب حتّي 1 / 405 .