الشيخ عبد الغني النابلسي

291

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

المجذوب ، وهو من أهل الأحوال وسلامة القلوب ، سلّمنا عليه فترحّب بنا ، وضحك لنا ، ثم قال كلاما معناه أنتم تريدون زيارة الأربعين في هذا الوقت وهو آخر النهار ، فلو زرتموه في الصّباح كان أسهل عليكم ، ولكن هذا تيسّر ، فنعم الزيارة ونعم المزار ، وظهر لنا منه بعض إشارات ، بخفيّ العبارات وهو رجل مهاب ، لأهل تلك البلاد فيه اعتقاد وهو الصّواب ، وإذا رأيته حسبت ثيابه ثياب زيّات ، فكلما ألبسوه ثيابا جديدة يجدونها ملطّخة بالزيت كلما أصبح وبات ، ويلقبونه بالشّعال لأنّ بعضهم وجده يشعل القناديل في جامع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المدينة المنوّرة وهو لم يخرج من بلاد الخليل عليه السّلام أصلا ، وهو قاطن في ذلك المسجد منذ سنين لا يخرج منه ، ولم يره أحد ذهب إلى جامع الخليل ، لا ليلا ولا نهارا ، فطلبنا منه قراءة الفاتحة والدعاء ، فقرأنا معه الفاتحة ودعونا اللّه تعالى نحن وإخواننا الحاضرون ، ثم توجّهنا إلى ما كنّا قصدناه من زيارة الأربعين ، ومعنا جماعة من تلك البلاد التي اسمها حبرون ، فركبنا متن ذلك الطريق ، وصعدنا تلك العقبة الكؤود وذلك / الفج المضيق ، حتى وصلنا منه إلى شجرة كبيرة جدّا ، وقد عمّروا حولها مصطبة كبيرة بالحجر والكلس ، وتحتها عين من الماء ينزل إليها بدرج ، وقد قيل إنّ بعض الناس وجد الأربعين من رجال الغيب جالسين تحتها ، ثم صعدنا إلى تلك المغارة المشهورة بمغارة الأربعين ، وهي في داخل مسجد لطيف جامع للصّالحين أهل الكمال والتشريف وهناك خادم يسكنها بأهله وعياله ، ويقال إنّ هذه المغارة متصلة بمغارة الخليل عليه السّلام ، فجلسنا هناك في ذلك المسجد عند فم المغارة نحن والإخوان ، وأضافنا الخادم بما تيسّر من جملة ألوان ، ثمّ قرأنا الفاتحة ودعونا اللّه تعالى ، وتوجهنا إلى زيارة الشيخ الإمام العالم العلّامة الهمام الشيخ محمد سعيد الخليلي ، فلمّا دخلنا عليه وقفنا قبالة مزار الشيخ يحيى المدفون هناك في ذلك البيت ، وقرأنا الفاتحة ودعونا اللّه تعالى بجزم المسألة ولم نقل لعلّ ولا ليت . ثم أقبلنا على الشيخ محمد المذكور فتلّقانا بكمال المسرّة والحبور ، وجلسنا معه في ذلك المكان ، وأضافنا بما تيسّر على حسب الإمكان ، ثم قرأنا الفاتحة معه ودعونا اللّه تعالى في السرّ الإعلان ، ثم خرجنا وقابلنا مزار الشيخ علي البكّا المتقدم ذكره ،