الشيخ عبد الغني النابلسي
214
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
المشرق نهر الفرات ، ومسافته عن بيت المقدس نحو عشرين يوما بسير الأثقال ، فيدخل في هذا الحدّ المملكة الشّاميّة بكمالها ، ومن الغرب بحر الروم ، وهو البحر المالح ، ومسافته عن بيت المقدس من جهة الرملة ، نحو يومين ، ومن الجنوب رمل مصر والعريش ، ومسافته عن بيت المقدس نحو خمسة أيّام بسير الأثقال ، ثم يليه تيه بني إسرائيل وطور سينا ، ويمتدّ من تلك الجهة إلى تبوك ثم دومة الجندل المتّصلة بالحد الشرقي . [ تعجب نبينا عليه السلام من لوط ويوسف وموسى ] وهذه الأحاديث التي ذكرناها روايات الصّحيحين ، وقد أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في جميع الرّوايات بحرف لو التي هي من حروف الشرط ، وأخبر أنّه صلّى اللّه عليه وسلم على تقدير أن يكون عند قبر موسى عليه السّلام ، لأرى هذه الأمّة قبره ، ثم أخبر أنّ قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر ، ولعلّ مراده صلّى اللّه عليه وسلم التعجّب من حرص موسى عليه السلام على دفنه في الأرض المقدّسة ، والحال أنّه قد دفن فيها ، كما ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنّه قال فيما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يرحم اللّه لوطا ، فقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتى الدّاعي لأجبت » « 1 » ، وهذا تعجّب منه صلّى اللّه عليه وسلم من أحوال الأنبياء قبله إشارة إلى أنّ قوله تعالى في حقّ لوط عليه السلام لقومه لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ « 2 » ، ووجه التعجّب أنّ لوطا عليه السّلام كان يعلم أنّه يأوي إلى الاعتماد والاتكال على اللّه تعالى ، واللّه تعالى هو الركن الشديد الذي هو أشدّ من القوم والأتباع والعشيرة ، ومع ذلك قال ما قال ، وكذلك يوسف عليه السّلام ، يعلم أنّه بريء مما رمي به ، وحبس في السجن لأجله من مراودة امرأة العزيز ، ويعلم أنّه صادق / وأنّ اللّه تعالى ينجي الصّادقين ويحمي عنهم ويدفع عنهم كيد من يريدهم بسوء ، خصوصا وقد ظهر له حصول ذلك بمجيء الرسول لإخراجه من السّجن ، ومع ذلك قال للرسول الذي جاءه أَرْجِعُ إِلَى *
--> ( 1 ) كتاب الأنبياء في فتح الباري 6 / 415 . ( 2 ) سورة هود / 80 .