الشيخ عبد الغني النابلسي
211
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
وهي موجودة للسيد موسى عليه السلام ، وإن كان الجواب لمطلق النبوّة مع قطع النظر عن أولي العزم فينتقض أيضا بقبور سائر الأنبياء عليهم السلام ، كداود ولوط ويونس ، ولم يوجد شيء من ذلك عند قبر واحد منهم . والجواب القريب أن يقال : لا مانع أن يكون وجه الخصوصيّة في ذلك تحقيقا لإجابة سؤال موسى عليه السلام عند هذه الأمّة ، حيث دعا اللّه تعالى عند موته في التّيه أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر ، كما ورد ذلك في الحديث الذي ذكره البخاري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن موسى عليه السلام ، لمّا حضرته الوفاة ، سأل ربّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر « 1 » ، ودعوة النبيّ لا تردّ ، فظاهر الحديث الشريف أن قبر السيد الكليم بالقرب من الأرض المقدسة ، لا فيها ، والحال أنه داخل الأرض المقدّسة ، فقد أجاب اللّه تعالى دعوته بأبلغ مما طلب ، وهو من صفات الكرام ، يجيبون من دعاهم بأكثر ممّا يدعونهم به ، وقد حقّق اللّه تعالى ذلك عند هذه الأمّة بإظهار أشباح الملائكة ، ليعلم الناس أن اللّه أجاب موسى فيما دعاه به من شوقه إلى الأرض المقدسة وأن يكون مدفونا فيها . وقد تكون الخصوصيّة في ذلك بسبب أنّ سيدنا موسى لمّا ظهر للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في ليلة المعراج ، وأمره أن يراجع ربّه في شأن الصّلاة تخفيفا عن هذه الأمّة ، كما ورد ذلك في حديث المعراج ، حقّق اللّه قبره لهذه الأمّة / بإظهار أشباح الملائكة عنده ليتحقق قبره عندهم ، فيجازونه على ما فعله بهم من التخفيف عنهم في أمر الصلوات بكثرة الزيارة له والدعاء عند قبره ، وإهداء الفاتحة له وأنواع البرّ والخير ، وقد يكون وجه الخصوصيّة بأنّه لمّا قدّر اللّه تعالى أن يكون قبر موسى عليه السلام في تلك الأرض المخسوفة لأنّها من جملة مدائن لوط ، فيستبعد ذلك لكونها خسفت بغضب ، فأظهر اللّه هذه الكرامة لينتفي هذا الاستبعاد أن يكون دفن نبيّه موسى في مثل ذلك .
--> ( 1 ) انظر الحديث في فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب الأنبياء 6 / 441 .