الشيخ عبد الغني النابلسي
184
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
محسوبا عليه من جملة العيال ، ثم قال له يوما من الأيّام يا سيدي : مرادي أن تودعني سرّا من أسرار اللّه تعالى العظام ، فقال له لا تقدر الآن على ذلك لأنّك في ليل من ظلمات نفسك حالك ، واصبر إلى أن يطلع فجر الفتح الربّاني ، ويتّقد مصباح المقام الروحاني ، ثم اتفق له أنّه في مرّة رأى الشيخ قدّس اللّه سرّه ، يتوضأ على البركة ورآه قابضا يده ، فوقع في نفسه أنّ هذا من عادة الروافض ، يقبضون أيديهم في وقت الوضوء ، فالتفت إليه الشيخ وقال له : أما قلت لك إنك لا تقدر على ما طلبت من تحمّل الأسرار لأنك بعد لم تطهر من دنس الإنكار ، فأخذه بيده ودفعه أوّلا وثانيا حتى غاب عن إدراكه وصار قريبا نائيا ، فقال له يا سيدي أنا الآن في أي مكان ؟ فقال له أنت في جبل قاف ، وقد حصلت منك الموافقة والائتلاف ، أثبت على هذه الحالة ، وحقّق له مقاصده وآماله ، ومن ذلك اليوم لقّب بالشيخ أحمد المثبت بكسر الباء مشدّدة ، فكأنّه ثبّت نفسه لمّا قال له / الشيخ أثبت ، ثم بعد ذلك فتح اللّه عليه بالفتح التام حتى صار من أصحاب الحال والمقام ، وحلّ عليه نظر شيخه الكامل فصار من جملة الأولياء الكرام ، وكان شيخه الشيخ محمد المذكور من أهل الكمال في مراتب العلوم والأعمال والأحوال . وقد ذكر شيخ الإسلام ، والعالم العامل الهمام ، الشيخ نجم الدين « 1 » رحمه اللّه تعالى في شرحه ألفيّة التصوّف من نظم والده العلامة الشيخ بدر الدين الغزّي « 2 » رحمه اللّه ، المسمّى بمنبر التّوحيد فقال فيه : قيل إنه كان من عادة الشيخ إبراهيم بن زقاعة « 3 » زيارة البيت المقدّس في كل سنة ، وكان يجتمع بالشيخ الكبير سيدي محمد القرمي ، فانقطع الشيخ إبراهيم عن الزيارة سنة من السنين ، وجاء في السّنة الثّانية للزيارة ، فسأله الشيخ محمد القرمي
--> ( 1 ) صاحب الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة . توفي سنة 1061 ه . ( 2 ) توفي سنة 982 ه ، ترجمته في أول الجزء الثالث من الكواكب السائرة ، وله مؤلفات كثيرة ، راجع إن شئت معجم المؤلفين 11 / 270 . ( 3 ) سبق الحديث عنه . انظر معجم المؤلفين 1 / 89 .