الشيخ عبد الغني النابلسي

179

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

ومفتي الأنام ، السيد عبد الرحيم أفندي المتقدم ذكره فيما مضى من الكلام ، حتّى صعدنا إلى قصر متّسع الأطراف ، له على جامع الصخرة والحرم الشريف كمال الإشراف ، وجلسنا في بستان من الكتب النفيسة ، وحياض من أبحاث العلوم اللطيفة الأنيسة ، وسجع حمايم الأناشيد ، وأثمار أزهار الموائد الفائقة على موائد جعفر والرشيد ، وحضر في هذا المجلس عين العيون وحقيقة السرّ المكنون ، الشيخ أبو الوفا العلمي وأولاده رياحين الجنان وأرواح جسد الخلّان حفظهم اللّه تعالى بآيات القرآن ، ما توالى الملوان وكرّ الجديدان ، وغيرهم أيضا من أهل البيت المقدّس الذي هو على كل كمال مؤسّس ، وقد انساق بنا البحث في أمر فرعون ، فأورد لنا السيد عبد الرحيم أفندي المذكور سؤالا : هل أرسل اللّه تعالى رسولين في زمان واحد ، وهل كانت رسالة موسى عليه السّلام عامّة أو خاصّة ببني إسرائيل ؟ ونقل لنا عن الشيخ الإمام شهاب الدين المالكي المعروف بالقرافي أنّه قال في كتابه المسمّى بالأجوبة الفاخرة على الأسئلة / الفاجرة ، وهو كتاب صنّفه في الردّ على النصارى واليهود ، وصرّح فيه بأن كلّ نبي بعث إلى قومه خاصّة ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم بعث إلى الثقلين جميعا ، الإنس والجن على اختلاف أنواعهما ، وعبارته هي قوله « إنّ أكمل الشرائع المتقدمة شريعة التوراة مع أنّ موسى عليه السّلام لم يبعث إلا لبني إسرائيل ، ولما أخذهم من مصر وعدّى البحر ، لم يعد لمصر ولا وعظ أهلها ولا عرّج عليهم ، ولو كان رسولا إليهم لما أهملهم ، بل إنّما جاء لفرعون ليسلّم له بني إسرائيل فقط » فلما أخذهم انقضى هذا الغرض البتة ، وإذا كان هذا حديث موسى عليه السلام فغيره أولى . فأوردنا له قوله تعالى عن موسى وهارون : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى « 1 » الآية ، وهو يقتضي إرسالهما معا في زمان واحد إلى فرعون ، وكون موسى مرسلا إلى فرعون وقومه صريح في آيات أخرى ، قال اللّه تعالى : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها « 2 » ، وقال تعالى :

--> ( 1 ) سورة طه / 43 . ( 2 ) سورة الأعراف / 103 .