الشيخ عبد الغني النابلسي
173
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
لذلك بكمال الطّهر ، فجلنا في الأبحاث العرفانية والحقائق الإيمانية والإحسانية ، غير أنّ الشقّة بعيدة والمشقّة شديدة ، وقد علم كلّ أناس مشربهم ، ونسأل اللّه تعالى أن يعطي كلّ قوم مأربهم ، ثم عزم علينا رجل من الأحباب ، إلى منزله الواسع الرحاب ، فسرنا للمبيت عنده في تلك الليلة مع جماعة من الأصحاب ، ومررنا في الطريق على مزار « 1 » الشيخ عيد رحمه اللّه تعالى فوقفنا عنده وقرأنا الفاتحة له ، ودعونا اللّه تعالى برفع المشقّة عن المسلمين والشدّة ، فوصلنا إلى دار محبّ خليل ، وصديق جليل ، وفناء رحب واسع ، وقدر عظيم شاسع ، وضيافة كريم كالبستان مختلفة الطعوم والألوان ، حتى إذا استقر بنا المجلس في ذلك ، وأشرق وجه الليل الحالك ، قمنا فذهبنا مع الجماعة إلى حمّام لطيف البنا ، ظريف الجوانب والفنا ، عذب المياه ، طيب الأفواه ، فدخلنا إليه بعد العشاء الأخيرة ، مع جماعتنا وهاتيك العشيرة ، ولم يدخل معنا أحد غيرنا من الأجانب ، فانشرحت صدورنا في هاتيك الأرجاء والجوانب ، وأطلقت في داخله مجامر البخور ، وجيء بماء الورد ، ورشّ على هاتيك الوجوه والنّحور ، ثم وردت علينا فناجين القهوة ، ونحن في أكمل مسرّة وأتم خطوة ، حتى أخذنا من ذلك بالحظ الوافر ، واطمأن بيتنا بما رأى قلب المقيم والمسافر ، فخرجنا إلى ذلك المكان الوسطاني ، بعد ما تنعّم منا الوجّه الجسماني والروحاني ، فجيء بأواني السكّر في ذلك الأوان ، وكما تحلّت المسامع هناك بالألحان الطيبة ، تحلّى بالطعوم الطيبة اللسان / وقد قلنا في وصف ذلك ، بمعونة القدير المالك : [ وصف الحمام ] ألا للّه حمّام دخلنا * إليه مبارك طبق الرّجاء رأينا فيه منفعة وخيرا * وأنواع المسرّة والهناء وللقدس الشريف به افتخار * على كل البلاد بلطف ماء وكيف وماؤه من وجه غيب * جرى وأمدّه غيث السّماء
--> ( 1 ) نسفته إسرائيل مع 135 دارا ، وأنشأت ميدانا أمام حائط البراق ، انظر : أجدادنا في بيت المقدس / 73 .