جلال الدين السيوطي
8
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
فأضحى نبيذا بالعراء وضلّلت * مكائده عنه وأمواله الدّثر ولم يغن عنه جمعه المال برهة * ولا كيده حتّى أتيح له الدّهر فلما مات عمرو بن العاص ولّى معاوية على ديار مصر ولده عبد اللّه بن عمرو . قال الواقديّ : فعمل له عليها سنتين . وقال غيره : بل أشهرا . ثمّ عزله وولّى عتبة « 1 » بن أبي سفيان . ثمّ عزله وولّى عقبة بن عامر سنة أربع وأربعين ، فأقام إلى سنة سبع وأربعين فعزله . وولّى معاوية بن حديج ، فأقام إلى سنة خمسين ، فعزله . وولّى مسلمة بن مخلّد وجمعت له مصر والمغرب « 2 » ؛ وهو أوّل وال جمع له ذلك . قال ابن عبد الحكم : حدّثنا عبد الملك بن مسلمة ، عن ابن لهيعة عن بعض شيوخ أهل مصر ، قال : أوّل كنيسة بنيت بفسطاط مصر الكنيسة التي خلف القنطرة أيّام مسلمة بن مخلّد ، فأنكر ذلك الجند على مسلمة ، وقالوا له : أتقرّ لهم أن يبنوا الكنائس ! حتّى كاد يقع بينهم وبينه شرّ ، فاحتجّ عليهم مسلمة يومئذ . فقال : إنّها ليست في قيروانكم ، وإنّما هي خارجة في أرضهم ، فسكتوا عند ذلك . فأقام مسلمة أميرا إلى سنة تسع وخمسين . وكان عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عثمان بن ربيعة الثقفيّ المشهور بابن أم الحكم - وأمّ الحكم هي أخت معاوية - أميرا على الكوفة ، فأساء السيرة في أهلها ، فأخرجوه من بين أظهرهم طريدا ، فرجع إلى خاله معاوية ، فقال : لأولينّك مصر خيرا منها ، فولّاه مصر ، فلمّا سار إليها تلقّاه معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر ، فقال : ارجع إلى خالك ، فلعمري لا تسير فينا سيرتك في أهل الكوفة ، فرجع ابن أمّ الحكم ولحقه معاوية بن حديج وافدا على معاوية . فلمّا دخل عليه وجده عند أخته أمّ الحكم - وهي أم عبد الرحمن الذي طرده عن مصر - فلما رآه معاوية ، قال : بخ بخ ! هذا معاوية بن حديج ؛ فقالت أمّ الحكم : لا مرحبا ! تسمع بالمعيديّ « 3 » خير من أنّ تراه . فقال معاوية
--> ( 1 ) في الكامل لابن الأثير 3 / 226 : في سنة سبع وأربعين عزل عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن مصر ووليها معاوية بن حديج . ( 2 ) في الكامل لابن الأثير 3 / 230 : وولّى مسلمة إفريقية مولى له يقال له : أبو المهاجر . ( 3 ) يضرب هذا المثل لمن خبره خير من مرآه ، وأوّل من قاله المنذر بن ماء السماء لمشقّة بن ضمرة المعيديّ . [ المنجد في اللغة ] .