جلال الدين السيوطي
43
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
المقطّم التي هي الآن دار السلاطين ، ولم يكن السلاطين يسكنون قبلها إلا دار الوزارة بالقاهرة ، وفتح من بلاد المسلمين حرّان ، وسروج ، والرّها والرّقّة ، والبيرة ، وسنجار ، ونصيبين ، وآمد . وملك حلب ، والمواريخ وشهرز . وحاصر الموصل إلى أن دخل صاحبها تحت طاعته ، وفتح عسكره طرابلس الغرب وبرقة من بلاد المغرب ، وكسر عسكر تونس ، وخطب بها لبني العباس . ولو لم يقع الخلف بين عسكره الذين جهّزهم إلى المغرب لملك الغرب بأسره ، ولم يختلف عليه مع طول مدّته أحد من عسكره على كثرتهم . وكان النّاس يأمنون ظلمه لعدله . ويرجون رفده لكثرته ، ولم يكن لمبطل ولا لصاحب هزل عنده نصيب . وكان إذا قال صدق ، وإذا وعد وفى ، وإذا عاهد لم يخن . صفات صلاح الدين ووفاته كان رقيق القلب جدّا ، ورحل إلى الإسكندرية بولديه الأفضل والعزيز « 1 » لسماع الحديث من السّلفيّ « 2 » ، ولم يعهد ذلك لملك بعد هارون الرشيد ، فإنّه رحل بولديه الأمين والمأمون إلى الإمام مالك لسماع الموطّأ . هذا كلّه كلام السبكي في الطبقات . قال : ومن الكتب والمراسيم عنه في النّهي عن الخوض في الحرف والصوت ؛ وهو من إنشاء القاضي الفاضل : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ . . . [ الأحزاب : 60 ] ، الآية ، خرج أمرنا إلى كلّ قائم في صفّ ، أو قاعد في أمام وخلف ؛ ألّا نتكلم في الحرف بصوت ، ولا في الصّوت بحرف ، ومن تكلّم بعدها كان الجدير بالتّكليم ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ النور : 63 ] ، ويسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب ، وبسط العذاب ، ولا يسمع لمتفقّه في ذلك تحرير جواب ، ولا يقبل عن هذا الذنب متاب . ومن رجع إلى هذا الإيراد بعد الإعلان ؛ وليس الخبر كالعيان ، رجع أخسر من صفقة أبي غبشان « 3 » ، وليعلن بقراءة هذا الأمر على المنابر ، وليعلم به الحاضر والبادي ليستوي فيه البادي والحاضر ، واللّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . ومن صنائع السلطان صلاح الدين أنّ أسقط المكوس والضرائب عن الحجّاج
--> ( 1 ) الأفضل نور الدين علي ، والعزيز عثمان . [ الكامل لابن الأثير : 9 / 226 ] . ( 2 ) في الخطط المقريزية : 2 / 6234 وسمع بها موطأ الإمام مالك على الفقيه أبي طاهر بن عوف . ( 3 ) في الكامل لابن الأثير : 2 / 11 : فجعل حليل فتح باب الكعبة وإغلاقه إلى ابنه المحترش وهو أبو غبشان ، فاشترى قصيّ منه ولاية البيت بزقّ خمر وبعود ، فضربت به العرب المثل ، فقالت : أخسر صفقة من أبي غبشان .