جلال الدين السيوطي

37

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة

الرحمن ؛ ومع هذا فإنّ مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلّا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه ، وغلبت لمّة ملكه على لمّة شيطانه . ومن آكد فروضه أن تمحى السّير السّيئة التي طالت مدد أيامها ، ويئس الرّعايا من رفع ظلاماتها فلم يجعلوا أمدا لانحسار ظلامها ؛ تلك السّير هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة ، ولا غنى للأيدي الغنيّة إذا كانت ذا نفوس فقيرة ؛ وكلّما زيدت الأموال الحاصلة منها قدرا ، زادها اللّه محقا ؛ وقد استمرّت عليها العوائد حتّى ألحقها الظالمون بالحقوق الموجبة فسمّوها حقّا ، ولو أنّ صاحبها أعظم الناس جرما لما أغلظ في عقابه ، ومثلت توبة المرأة الغامدية بمتابه ؛ وهي أشقى ممّن يكون السواد الأعظم له خصما ، ويصبح وهو مطالب بما يعلم وبما لم يحط به علما ؛ وأنت مأمور بأن تأبى هذه الظلامات فتنهى عن إجرائها ، وتلحق أسماءها في المحو بإهمالها ؛ حتّى لا يبقى لها في العيان صورة منظورة ، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة . وإذا فعلت ذلك كنت أزلت عن الماضي سنّة سوء سنّتها يداه ، وعن الآتي متابعة ظلم وجده طريقا مسلوكا فجرى على بداه ، فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من يضيق به ذراعا ، ونظر إلى الحياة الدنيا بعينها فرآها في الآخرة متاعا . واحمد اللّه على أن قيّض لك إمام هدى يقف بك على هداك ، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عداك ؛ وهذه البلاد المنوطة بنظرك تشتمل على أطراف متباعدة ، وتفتقر في سياستها إلى أيد متساعدة ؛ ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام وأولو تدابيرات السيوف والأقلام ؛ وكلّ من هؤلاء ينبغي أن يفتن على نار الاختبار ، ويسلّط عليه شاهد عدل من أمانة الدرهم والدينار فما أضلّ الناس شيء كحبّ المال الذي فورقت من أجله الأديان ، وهجرت بسببه الأولاد والإخوان ؛ وكثيرا ما يرى الرّجل الصائم القائم وهو عابد له عبادة الأوثان ؛ فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك ، فاضرب عليه بالأرصاد ، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإنّ الأحوال تنقل بنقل الأجساد . وإيّاك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد . وكذلك نأمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر محاسبين ؛ ويعلموا أنّ ذلك من دأب حزب اللّه الذين جعلهم الغالبين ، وليبدءوا أوّلا بأنفسهم فيعدلوها عن هواها ، ويأمروها بما يأمرون به سواها ، ولا يكونوا ممّن هدى إلى طريق البرّ وهو عنها حائد ، وانتصب لطبّ المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد ؛ فما تنزل بركات السماء إلّا على من خاف مقام ربّه ، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقلبه ؛ فإذا صلحت الولاة صلحت الرعيّة بصلاحهم ؛ وهم لهم بمنزلة المصابيح ، ولا يتضيء كلّ قوم إلّا بمصباحهم . وممّا يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانا في