جلال الدين السيوطي

20

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة

ولمّا مات كافور ولّى المصريّون مكانه أبا الفوارس أحمد بن عليّ بن الإخشيد وهو ابن اثنتين وعشرين سنة ، فأقام شهورا حتّى أتى جوهر القائد من المغرب فانتزعها منه . ذكر أمراء مصر من بني عبيد لما توفّي كافور الإخشيديّ لم يبق بمصر من تجتمع القلوب عليه ، وأصابهم غلاء شديد أضعفهم ؛ فلمّا بلغ ذلك المعزّ أبا تميم معدّ بن المنصور إسماعيل ، وهو ببلاد إفريقيّة بعث مولى أبيه جوهر « 1 » ؛ وهو القائد الروميّ ، في مائة ألف مقاتل ، فدخلوا مصر في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، فهرب أصحاب كافور ، وأخذ جوهر مصر بلا ضربة ولا طعنة ولا ممانعة ، فخطب جوهر للمعزّ يوم الجمعة على منابر الديار المصرية وسائر أعمالها ، وأمر المؤذنين بجامع عمرو وبجامع ابن طولون أن يؤذّنوا بحيّ على خير العمل ، فشقّ ذلك على الناس ، وما استطاعوا له ردّا ، وصبروا لحكم اللّه ، وشرع في بناء القاهرة والقصرين والجامع الأزهر ، وأرسل بشيرا إلى المعزّ يبشّره بفتح الديار المصرية وإقامة الدعوة له بها ، وطلبه إليها . ففرح المعزّ بذلك ، وامتدحه شاعره محمد بن هانىء « 2 » الأندلسي بقصيدة أوّلها : يقول بنو العبّاس : هل فتحت مصر ؟ * فقل لبني العبّاس : قد قضي الأمر وابن هانىء هذا قد كفّره غير واحد من العلماء ، منهم القاضي عياض في الشفاء لمبالغاته في مدائحه ، من ذلك قوله في المعزّ : ما شئت لا ما شاءت الأقدار * فاحكم فأنت الواحد القهّار وقوله :

--> ( 1 ) وهو أبو الحسن جوهر بن عبد اللّه القائد المعزّي المعروف بالكاتب مولى المعز لدين اللّه أبي تميم معد العبيدي الفاطمي ، وكان رحيله من إفريقية يوم السبت 14 ربيع الأول من سنة 358 ه . [ الكامل لابن الأثير : 7 / 31 ] . ( 2 ) ولد بإشبيلية ، وشيّع المعزّ إلى الديار المصرية . وجد مخنوقا بتكّة سراويله في سانية من سواني برقة يوم الأربعاء الثالث والعشرين من رجب من سنة 362 ه وعمره ست وثلاثون أو اثنتان وأربعون سنة . [ شذرات الذهب : 3 / 42 ] .