جلال الدين السيوطي

17

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة

وقال بعض أصحابه : ألزمني ابن طولون صدقاته ، وكانت كثرة ، فقله له يوما : ربما امتدّت إليّ اليد المطوّقة بالجوهر ، والمعصم ذو السّوار ، والكمّ الناعم ، أفأمنع هذه الطبقة ؟ فقال : هؤلاء المستورون الّذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف ، احذر أن تردّ يدا امتدّت إليك ، واعط من استعطاك ، فعلى اللّه تعالى أجره ؛ وكان يتصدّق في كلّ أسبوع بثلاثة آلاف دينار سادة سوى الراتب ، ويجري على أهل المساجد في كلّ شهر ألف دينار ، وحمل إلى بغداد في مدّة أيامه ، وما فرّق على العلماء والصالحين ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار ، وكان خراج مصر في أيامه أربعة آلاف دينار وثلاثمائة ألف دينار ، وكان لابن طولون ما بين رحبة مالك بن طوق إلى أقصى المغرب . واستمرّ ابن طولون أميرا بمصر إلى أن مات بها ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين ، وخلّف سبعة عشر ابنا . قال بعض الصوفيّة : ورأيته في المنام بعد وفاته بحال حسنة ، فقال : ما ينبغي لمن سكن الدّنيا أن يحقر حسنة فيدعها ولا سيئة فيأتيها ، عدل بي عن النار إلى الجنّة بتثبّتي على متظلّم عييّ اللّسان شديد التهيّب ، فسمعت منه وصبرت عليه حتّى قامت حجّته ، وتقدّمت بإنصافه ، وما في الآخرة أشدّ على رؤساء الدنيا من الحجاب لملتمس الإنصاف . وولي بعه ابنه أبو الجيش خمارويه ، وأقام أيضا مدّة طويلة ، ثمّ في ذي الحجّة سنة اثنتين وثمانين قدم البريد فأخبر المعتضد بالله أنّ خمارويه ذبحه بعض خدمه على فراشه « 1 » وولّوا بعده ولده جيش « 2 » فأقام تسعة أشهر ، ثمّ قتلوه ونهبوا داره ، وولّوا هارون بن خمارويه ، وقد التزم في كلّ سنة بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار ، تحمل إلى باب الخليفة ، فأقرّه المعتضد على ذلك ، فلم يزل إلى صفر سنة اثنتين وتسعين ، فدخل عليه عمّاه شيبان وعديّ ابنا أحمد بن طولون ، وهو ثمل في مجلسه ، فقتلاه « 3 » ، وولي عمّه أبو المغانم شيبان ، فورد بعد اثني عشر يوما من ولايته من قبل المكتفي ولاية محمد بن سليمان الواثقيّ ، فسلّم إليه شيبان الأمر ، واستصفى أموال آل طولون ، وانقضت دولة الطولونية عن الديار المصرية . * * *

--> ( 1 ) في الكامل لابن الأثير 6 / 81 : في ذي الحجة بدمشق . ( 2 ) في الكامل لابن الأثير 6 / 81 : وكان صبيا غرّا . ( 3 ) في الكامل لابن الأثير 6 / 110 : وقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام عصبية فاقتتلوا ، فخرج هارون يسكنهم ، فرماه بعض المغاربة بمزراق معه فقتله .