كي لسترنج

16

بلدان الخلافة الشرقية

العباسيين فيما هو عليه اليوم . ونظرة واحدة إلى الخارطة ترينا أن بادية العرب القاحلة ، تمتد حتى طف الفرات الغربى ، إذ ليس لهذا النهر روافد في يمينه . أما دجلة ، فحاله خلاف ذلك : لأن الجبال الإيرانية تبعد مسافة كبيرة عن شرقيّه ، فتنحدر منها جداول كثيرة تؤلف روافد عدة لدجلة تصب في يساره . وقد ورث المسلمون عن الساسانيين في العراق نظاما للرى جعل هذا الإقليم من أخصب بلاد الدنيا « 1 » . وسنتبسط في ذكر هذا النظام . ولكن نكتفي الآن بالقول ان العرب كانوا يسقون أرض ما بين النهرين بتحويل الفائض من ماء الفرات إلى جملة أنهر تأخذ من الفرات إلى دجلة مخترقة سهول ما بين هذين النهرين . أما الأرض من شرقي دجلة حتى سفوح جبال إيران ، فقد كان بعضها تسقيه أنهار تنحدر من هذه الجبال ، وبعضها تسقيه جملة أنهار تخرج من دجلة وتعود اليه في جانبه الأيسر . وكانت هذه الأنهار تستوعب مياه فيضانات كثير من الأنهار الصغيرة التي تنبع في الجبال الشرقية . وقد قسم العرب بلاد ما بين النهرين إلى إقليمين : الأسفل والاعلى . وقوام الإقليم الأسفل أرض الرسوب الخصبة وهي بلاد بابل القديمة ، وقد عرف هذا الإقليم بالعراق . وحدّه الشمالي ( وقد اختلف باختلاف الأزمان ) خط يمتد من الشرق إلى الغرب مبتدئا من دجلة ومنتهيا بالفرات ، حيث يأخذ هذان النهران باقتراب أحدهما من الآخر في السهل الذي بينهما . ولا ريب أن أكبر مدن العراق في أيام بنى العباس كانت بغداد . ولكن قبل قيام الدولة العباسية بقرن ، أنشأ

--> ( 1 ) قلنا : بل إن قدماء العراقيين ، منذ أبعد العصور ، قد وجهوا جل عنايتهم إلى مياه الرافدين . فأقاموا السدود وشقوا الأنهار لضبط مياه الفيضان وارواء الأراضي الصالحة للزراعة . فنشأ من ذلك نظام للرى تعاقب على رعايته وتحسينه السومريون والأكديون والبابليون والآشوريون . ويثبت ذلك ما يرى من معالم الأنهار القديمة المندرسة الكثيرة في جميع انحاء العراق وما يرى بجانبها وبقربها من أطلال ألوف القرى والمدن . ففي شمالي العراق ، أوقفتنا التحريات الأثرية على الأنهار التي شقها الآشوريون في المناطق الجبلية وغيرها لارواء عواصمهم ، نذكر منها مشروع ارواء كالح من نهر الزاب الأعلى . وارواء نينوى من نهر الكومل . وارواء اربل من مياه وادى باستورة . وفي وسط العراق وشرقيه وجنوبيه ، شقت أنهار كثيرة ، كان يأخذ بعضها من يمين دجلة ويساره ، مثل : النهروان وكان يعرف عند البابليين بأسم ناران ، ودجيل . وبعضها كان يأخذ من يسار الفرات إلى دجلة مخترقا أواسط وادى الرافدين لارتفاع وادى الفرات عن وادى دجلة . وقد ذكر طه باقر في كتابه « مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة » ( 1 : 372 ) أسماء بعضها وهي باتى أنليل ، الذي عرف بنهر عيسى في العصر العباسي . ونارشارى أي نهر الملك وقد عرف في العصر العباسي بنهر ملكا أو نهر الملك . ونهر كوثى وكان قرب مدينة كوثى البابلية . ونهر النيل وكان يأخذ من الفرات في شمال بابل ويمر بمدينة كيش . ونهر كان يأخذ من يمين دجلة فينساب في منطقة الغراف الحالية إلى أراضي مملكة لكش ويعزى حفره إلى أحد ملوك مدينة لكش ( تلو اليوم ) في نحو سنة 2600 قبل الميلاد . ( م ) .