ابن ظهيرة
58
الجامع اللطيف
ومنها : أن البيت الشريف يفتح فيدخله الجم الغفير من الناس متزاحمين فيسعهم بقدرة اللّه تعالى ، ولم يعلم أن أحدا مات فيه من الزحام إلا ما وقع في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة كما نقله المؤرخون ، فإنه مات فيه أربعة وثمانون نفرا . قال العلامة ابن النقاش : والكعبة تسع ألف إنسان وإذا فتحت أيام الموسم دخلها آلاف كثير . قال الجد بوأه اللّه دار كرامته : فعلى هذا إنها تتسع كما ورد أن منى تتسع كاتساع الرحم . ( ومنها ) ما أخرجه الفاكهي في « تاريخ مكة » بسنده إلى عبد اللّه بن بكر السهمي عن أبيه أنه قال : جاورت بمكة فعابت أسطوانة من أساطين البيت ، فأخرجت وأتى بأخرى ليدخلوها مكانها فطالت عن الموضع وأدركهم الليل ، والكعبة لا تفتح ليلا ، فتركوها ليعودوا من غد فيصلحوها ، فجاءوا في الغد فأصابوها أقوم من قدح « 1 » . قال العلامة ابن حجر : وهذا إسناد قوى رجاله ثقات ، وبكر هو ابن حبيب من كبار التابعين . وكانت هذه القصة في أوائل دولة بنى العباس ، والأسطوانة من خشب واللّه أعلم . وعابت فيما رواه الفاكهي بالعين المهملة والموحدة - وقدح - بكسر القاف وبالحاء المهملة هو السهم . ( ومنها ) كما نقل عن الجاحظ أن الفرقة من الطير من حمام وغيره تقبل حتى إذا كادت أن تبلغ الكعبة انفرقت فرقتين فلم يعل ظهره شئ منها « 2 » . ونقل عن جمع من العلماء منهم العز بن جماعة ومكي رحمهما اللّه ، أن ما عوين من ارتفاع الطبر على البيت فللاستشفاء . وأنشدوا في معنى ذلك : والطير لا يعلو على أركانها * إلا إذا أضحى بها متألما قال ابن عطية رحمه اللّه : والقول بأن الطير لا يعلو ضعيف ، فإنه يعاين يعلوه ، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره ، وتلك كانت من آياته . انتهى « 3 » .
--> ( 1 ) إخبار الكرام ص 97 . ( 2 ) كتاب الحيوان للجاحظ ج 3 ص 193 . ( 3 ) إخبار الكرام ص 98 .