ابن ظهيرة

39

الجامع اللطيف

قال : « الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه . فمن لم يدرك بيعة النبي صلى اللّه عليه وسلم فمسح الحجر فقد بايع اللّه ورسوله » « 1 » ومعنى كونه يمين اللّه في أرضه أن من صافحه كان له عند للّه عهد ، وجرت العادة بأن العهد الذي يعقده الملك لمن يريد موالاته والاختصاص به إنما هو بالمصافحة فخاطبهم بما يعهدونه . قاله الخطابي . ونقل عن المحب الطبري أن كل ملك إذا قدم عليه الوافد قبّل يمينه ، فنزل الحجر منزلة يمين الملك ، وللّه المثل الأعلى « 2 » . وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أنه قبّل الحجر ثم إنه قال : واللّه لقد علمت أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، قال بعض الفضلاء : إلا بإذن ، ولولا أنى رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ، وقرأ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ( سورة الأحزاب : 21 ) وروى أنه لما قال ذلك قال له أبي بن كعب : إنه يضر وينفع ، إنه يأتي يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن قبله واستلمه فهذه منقبة . وفي رواية أيضا أن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه قال لعمر : بلى يا أمير المؤمنين ، إنه يضر وينفع ، وإن اللّه لما أخذ المواثيق على آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر . وقد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : يؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة وله لسان يشهد لمن قبله بالتوحيد ، فقال عمر رضى اللّه عنه : لا خير في عيش قوم لست فيهم يا أبا الحسن . وفي رواية : لا أحياني اللّه لمعضلة لا يكون فيها ابن أبي طالب حيّا . وفي أخرى للأزرقى : أعوذ باللّه أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن . فوائد : الأولى : إنما قال عمر رضى اللّه عنه ذلك لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام ، فخشى أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعله في الجاهلية ، فأراد عمر رضى اللّه عنه أن يعرف الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا أن الحجر يضر وينفع بذاته كما اعتقدته الجاهلية في الأوثان ، كذا نقله الجد عن المحب الطبري .

--> ( 1 ) شفاء الغرام ج 1 ص 278 . ( 2 ) شفاء الغرام ج 1 ص 278 .