ابن ظهيرة

32

الجامع اللطيف

وذكر أن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس لما بنى داره التي بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام أمر القوام أن لا يرفعوا بناءها فيشرفوا به على الكعبة إعظاما لها ، وأن الدور التي كانت تشرف على الكعبة هدمت وخربت إلا دار العباس هذه فإنها على حالها إلى اليوم . انتهى بمعناه « 1 » . وأخرج ابن شبة البصري في مؤلفه « أخبار مكة » أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه لما قدم مكة رأى حول الكعبة بناء قد أشرف عليها فأمر بهدمه وقال : ليس لكم أن تبنوا حولها ما يشرف عليها . انتهى . أقول : إذا كانت العلة في عدم العلو والإشراف هي الإعظام ، فارتفاع البيوت الموجودة الآن المحيطة بالمسجد تؤذن بتركه ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه . وبالجملة التطاول في البنيان من علامات الساعة على حد قوله صلى اللّه عليه وسلم : « وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان » لأن المراد من الحديث الإخبار بتغير الأحوال وتبدلها كما قال الإشبيلي . وفيه دليل على كراهة ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء وتشييده . ومات صلى اللّه عليه وسلم ولم يشيد بناء ولا طوله . انتهى . وما تقدم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص آنفا مشعر بذلك حيث قال : فقد أزف الأمر . وأما تسميته بالبيت الحرام فلأن اللّه تعالى حرمه وعظمه وحرم أن يصاد صيده وأن يختلى خلاه وأن يعضد شجره وأن يتعرض له بسوء . ثم المراد بتحريم البيت سائر الحرم على حد قوله تعالى هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ( سورة المائدة : 95 ) فإن المراد بها الحرم كما تقدم آنفا . ومن ذلك قوله تعالى : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ ( سورة الحج : 26 ) أي المقيمين بمكة ، وناهيك بهذه الإضافة المنوهة بذكره المعظمة لشأنه الرافعة لقدره . وكفى ذلك شرفا وفخرا ، وبه علا على سائر البقاع عظمة وقدرا ، وما أحسن ما قيل في ذلك المعنى : وكفى شرفا أنى مضاف إليكم * وأنى بكم أدعى وأدعى وأعرف وهي من السر في إقبال قلوب العالمين عليه وعكوفهم لديه ، وأنشد في المعنى :

--> ( 1 ) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 280 .