ابن ظهيرة
235
الجامع اللطيف
فأخبرهم بذلك فقالوا : إنا للّه وإنا إليه راجعون . نخشى أن يكون صاحبك من أهل النار ، اذهب إلى اليمن فإن بها بئرا اسمها برهوت يجتمع فيها أرواح المعذبين ، وهي على فم جهنم فاطلع فيها إذا مضى ثلث الليل أو نصفه ، وناد يا فلان بن فلان أنا صاحب الوديعة قال : فمضيت إلى تلك البئر فإذا أنا بشخصين قد جاءا فنزل فيها وهما يبكيان ، فقال أحدهما للآخر . من أنت ؟ قال : أنا روح رجل ظالم كنت أضمن المكوس وآكل الحرام ، فرماني ملك الموت إلى هذه البئر أعذب فيها ، وقال الآخر : أنا روح عبد الملك بن مروان كنت عاصيا ظالما وأنا أعذب في هذه البئر ثم سمعت لهما صراخا ، فقامت كل شعرة في بدني من الفزع . ثم تطلعت في البئر وناديت يا فلان ، فأجابني من تحت العقوبة والضرب ، فقلت : ويحك يا أخي ، ما الذي أنزلك ها هنا ؟ وبأي ذنب جئت إلى منازل الأشقياء ، وقد كنت صاحب خير ؟ قال : بسبب أختي كانت صعلوكة ، وهي بأرض العجم فاشتغلت عنها بالمجاورة بمكة والعبادة وما كنت أفتقدها بشئ ولا أسأل عنها ، فلما مت حاسبنى اللّه عز وجل عنها ، وقال : نسيتها ، تعرى وأنت تكتسى ، وتجوع وأنت شبعان مكتفى . وعزتي وجلالي : إني لا أرحم قاطع الرحم ، اذهبوا به إلى بئر برهوت . فأنا معذب مع قطاع الرحم في هذه البئر ، فعساك يا أخي تذهب إليها وتشرف على حالها وتطلب لي منها أن تجعلني في حل ، فليس لي ذنب عند اللّه سوى هذا . قال فقلت له : أين مالي الذي أودعته عندك ؟ فقال : هو على حاله وإني لم أثق عليه أولادي ولا غيرهم ، فدفنته في بيتي تحت العتبة في الموضع الفلاني فاذهب إلى أولادي وقل لهم يدخلوك دارى ، فاحفر فإنك ستجد مالك . قال فمضيت إلى الموضع الذي قال لي عنه ، فحفرته فوجدت ذهبي على حاله كما ربطته ، فأخذته ومضيت إلى بلاد العجم ، فسألت عن أخته ، واجتمعت بها وحدثتها حديثه فبكت وجعلته في حل ثم شكت إلىّ القلة والضرورة فوهبتها شيئا من الدنيا ، وانصرفت راجعا إلى مكة شرفها اللّه تعالى ، فلما كان نصف الليل جئت إلى زمزم ، وناديت : يا فلان ، فقال : لبيك ، جزاك اللّه عنى خيرا .