ابن ظهيرة

205

الجامع اللطيف

أن ينسخوا المصحف من الصحف التي جمع فيها القرآن في خلافة الصديق رضى اللّه عنه . قال لهم : إذا اختلفتهم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من القرآن فاكتبوها بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا فلما بلغوا ذكر التابوت قال زيد بن ثابت رضى اللّه عنه : التابوه بالهاء ، وهي لغة الأوس والخزرج ، فاختلفوا . فأمر عثمان أن يكتب بالتاء بلغة قريش قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ( سورة إبراهيم : 4 ) وعن هشام بن عروة بن الزبير أنه قال : كان لقريش في ذلك ضابط كمملكة فارس ، وليس لهم ملك ، وإنما كان ذلك بأحلامهم ، وكان كالسلطان الضابط وكان يقال لهم قطين اللّه . وذكر أن العربي من غير قريش كان فيما مضى لم يقدر على الخروج من دار قومه في غير الأشهر الحرم إلا في جماعة . وكان القرشي يخرج وحده حيث شاء وأنى شاء . فيقال رجل من أهل اللّه عز وجل ، فلا يعرض له عارض ، ولا يريبه أحد ولم يعهد أن الحرم غزى ولا سبيت قرشية في جاهلية ولا إسلام قط . ويروى أن كنانة بن خزيمة بن مدركة أتى في منامه وهو في الحجر ، فقيل له : تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدرة أو عمارة الجدار عز الدهر ، فقال : كلا يا رب فصار كل هذا من قريش ، وكانت قريش على إرث من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل صلوات اللّه عليهما من قرى الضيف ورفد الحاج وتعظيم مكة المكرمة ، ومنع الملحد والباغي فيها وقمع الظالم ونصر المظلوم غير أن أوائلهم دخلت فيهم أحداث غيرت أصول الحنيفية دين إبراهيم وطال الدهر حتى أفضى بهم ذلك إلى الجهل بشعار الدين والضلال عن سنن التوحيد ، فمحا اللّه عز وجل ذلك كله بنبيه محمد خاتم الأنبياء صلى اللّه عليه وسلم فأنقذهم به من الضلالة وهداهم من العماية والجهالة . استطراد مهم حيث ذكرت شيئا من فضائل قريش رأيت أن أذكر نسب سيد قريش وصميمها وغلصمتها « 1 » وعظيمها سيدنا محمدا خاتم النبيين وحبيب رب العالمين ، ونسب أصحابه العشرة الكرام البررة وذكر شئ من مناقبهم وأحوالهم على سبيل الاختصار لتشمل بركتهم

--> ( 1 ) الغلصمة : رأس الحلقوم ، وهو الموضع الناتئ في الحلق .