ابن ظهيرة
171
الجامع اللطيف
السابعة عشرة : يرد على ذلك بأن الذي اختص بالنبي صلى اللّه عليه وسلم من طست الذهب إنما هو تفريغ ما فيه من الإيمان والحكمة في قلبه صلى اللّه عليه وسلم ، والتفريغ ترك لا فعل ، ولا خلاف أن آنية الذهب إذا حصل فيها طعام له حرمة شرعية ، كان تفريغ ذلك منها مشروعا بخلاف وضعه فيها ، ولا يعد التفريغ استعمالا . ويتقرر هذا الفقه بحكاية لطيفة وهي أن الحسن البصري وفرقدا السبخى اجتمعا في وليمة دعيا إليها ، وكان الحسن عالما وفرقد عابدا ، وكان في الوليمة صحاف من الذهب والفضة قد جعل فيها الخبيص ، فأما الحسن فإنه جلس على الطعام وصار يأخذ الخبيص ويفرغه من الصحفة ويضعه على الخبز ويأكل . وأما فرقد فاعتزل ولم يأكل فالتفت إليه الحسن وقال : يا فريقد ، هلّا صنعت هكذا ؟ فرأى الحسن أن التفريغ ليس استعمالا بل تركا وإزالة للمنكر ، فاجتمع له بفقهه إقامة سنة الوليمة بالأكل وجبر قلب الداعي وإزالة المنكر وتعليم الأحكام الخفية ، ولهذا قال يا فريقد ، فصغر اسمه في النداء تعريضا له بالإنكار إذ تصرف في الترك بغير اقتداء وكان عليه أن يسأل كيف يصنع ليسلم مما وقع فيه من فوات المقاصد التي اجتمعت للحسن رضى اللّه عنه . وينبنى على هذا من الفروع الفقهية أن من كان في رمضان أو أراد الصيام في غيره وطلع عليه الفجر وهو آكل فعلم بذلك وألقى الطعام من فيه لا شئ عليه ، فهذا من جنس كون التفريغ ليس استعمالا ولا إشكال في ذلك . الثامنة عشرة : لقائل أن يقول لا يتم الاستدلال على جواز استعمال الذهب بحديث الإسراء ، لأن العادة انخرقت فيه من حيث ما وعى فيه من الإيمان ومن أنه من الكون أو من الجنة ، وإذا انخرقت العادة تغيرت الأحكام المنوطة بها . التاسعة عشرة : يحتاج المستدل على استعمال الذهب لحديث الإسراء أن يثبت أنه كان بعد تحريم استعمال الذهب ، ولا يقدر على ذلك ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم تختم بالذهب ثم ألقى الخاتم فألقى الناس خواتمهم ، وما كان النسخ والتحريم إلا بالمدينة . وقد تقدم أن الإسراء متقدم على الهجرة على المختار . الفائدة العشرون : تقدم في حديث ثابت أنه صلى اللّه عليه وسلم قدم له الآنية ، قبل العروج ، وفي طريق آخر أنه بعد العروج فيجمع بينهما ويكون التقديم مرتين ويكون تكرار جبريل عليه السلام للتصويب ، حيث اختار اللبن تأكيدا للتحذير مما سواه .