ابن ظهيرة
127
الجامع اللطيف
ثم قال بعد كلام آخر : ووجه تفضيل هذا النوع من الصلاة وهو الطواف على غيره من الأنواع [ ثبوت ] الأخصية له بمتعلق الثلاثة ، وهو البيت الحرام ، ولا خفاء بذلك ، ولذلك بدأ به في الذكر هنا وفي قوله تعالى : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ الآيتين ( سورة الحج : 26 ، 27 ) ولما كانت الصلاة على تنوعها لم تشرع إلا عبادة ، والنظر قد يكون عبادة إذا قصد التعبد به وقد لا يكون ، وذلك إذا لم يقصد به التعبد تأخر في الرتبة « 1 » . وقولنا : إذا تساووا في الوصف نحترز مما إذا اختلف وصف المتعبّدين ، فكان الطائف ساهيا غافلا والمصلى والناظر خاشعا يعبد اللّه كأنه يراه ، كان المتصف بذلك أفضل ، إذ ذلك الوصف لا يعد له عمل جارحة خاليا عنه ، وهو المشار إليه واللّه أعلم في قوله تعالى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( سورة الكهف : 30 ) انتهى باختصار « 2 » . وهو كلام عظيم كاف شاف حرى « 3 » أن يكتب بماء الذهب في بياض الحدق ، وقد ذكره في كتابه « القرى » بأبسط من هذا ، واستدل بأمور معنوية قوية ظاهرة لا يحتمله هذا التعليق فليراجعه مريده في محله ، فرحمه اللّه وللّه دره من عالم محقق . وفي « رسالة الحسن » أيضا أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : من نظر إلى البيت إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وحشر يوم القيامة في الآمنين . وفيها عنه صلى اللّه عليه وسلم : من نظر إلى البيت نظرة من غير طواف ولا صلاة كان عند اللّه عز وجل أفضل من عبادة سنة يعنى صائما وقائما وراكعا وساجدا . وعن ابن عباس أنه قال : النظر إلى الكعبة محض الإيمان أخرجه الجندي . وعن سعيد ابن المسيب : من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه . وعن عطاء : النظر إلى البيت الحرام عبادة ، والناظر له بمنزلة الصائم القائم الدائم المخبت المجاهد في سبيل اللّه عز وجل . وعن أبي السائب المديني : من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر . وعن زهير بن محمد قال : الجالس في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا يصلى أفضل من المصلى في بيته لا ينظر إلى البيت . أخرجها الأزرقي « 4 » .
--> ( 1 ) القرى ص 327 وما بين حاصرتين منه . ( 2 ) القرى ص 327 . ( 3 ) تحرف في المطبوع إلى : « حر » . ( 4 ) أخبار مكة للأزرقى ج 2 ص 9 .