إبراهيم بن محمد الميموني
55
تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
معاوية لما نصب المنجنيق على أبى قبيس ، ورمى الكعبة ، وكسر الحجر الأسود ، واحترقت الكعبة ، وسقط سقفها إلى غير ذلك ، حتى روى أن أول حجر من حجارة المنجنيق أصاب وجه الكعبة فسمع لها أنين وتأوه شديد ، وكذا وقع من القرامطة ما وقع ، وأخبر الصادق بأن ذا السويقتين يهدمها حجرا حجرا ؟ فالجواب : أن حبس الفيل وقع إرهاصا لأمر نبوة نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، والإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه ، فلما ظهر صلى اللّه عليه وسلم وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية لم يحتج إلى شئ من ذلك بعد ، وأيضا أبرهة قصد بالتخريب إذهاب عودها فلذلك عوجل بالعقوبة ، والحجاج إنما قصد بالتخريب إذهاب صورة بناء ابن الزبير وإعادتها على حالها الأول ؛ فلذلك لم يبادر بالعقوبة ، وحيث تمت الدعوة والكلمة قد بلغت والحجة قد ثبتت فأخر اللّه تعالى أمرهم إلى الدار الآخرة وقد أخبر صلى اللّه عليه وسلم بوقوع الفتن وأن الكعبة ستهدم ، وقد تقدم أن هدم ذي السويقتين لها لا يعارض قوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً » ؛ لأن تخريب الكعبة على يدي هذا الحبشي إنما يكون عند خراب الدنيا ، ولعل هذا الوقت هو الذي لا تبقى فيه إلا أشرار الناس فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين وأهله ، وقول ابن حجر الهيثمي والجواب : إن الحجاج ما قصد التسلط على البيت بل الاحتيال لإخراج ابن الزبير فيه نظر ، على أنه منتقض بفعل القرمطي الملحد فإنه لم يقصد إلا التسلط على البيت وأهله ، أجيب أيضا بأن ما وقع فيه في الإسلام من القتال ونهب الأموال إنما كان بأيدي المسلمين فهو مطابق لقوله صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يستحل هذا البيت إلا أهله فوقع ما أخبر به صلى اللّه عليه وسلم وهو من علامات نبوته ، وإثبات الأهلية والإسلام لأولئك الفجرة الذين جسروا على حرمة البيت إنما هو باعتبار الغالب فلا ينافي كفر الحجاج عند جماعة من العلماء ، وهو الصواب إن صح ما نقل عنه أنه رأى جماعة محدقين بالحجرة الشريفة النبوية على مشرّفها أفضل الصلاة والسلام فقال : ما بال هؤلاء ؟ وهل يطوفون إلا بعظام بالية ؟ وحكى عنه قبائح أخرى نحو ذلك ، ولا ينافي أيضا الحكم عن القرامطة بالكفر والإلحاد لأنهم من الإسماعيلية الذين هم أقبح كفرا وأسخف عقلا من كثير من الملل الفاسقة لاستحلالهم مع إلحادهم نكاح المحارم ومثابرتهم عليه . واعلم أن الصحيح الذي صرحت به الأحاديث الصحيحة أن صيرورة مكة