محمد بن عمر التونسي

42

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

فداخلنى من الهلع مالا أقدر على وصفه ، حتى كدت أن أطلب الرّجوع ، إلى الرّبوع . ثم أدركتني ألطاف اللّه الخفيّة ، وتذكرت ما مدحت به الأسفار على ألسنة البلغاء الأدبية ، خصوصا ما ورد في الأثر ، عن خالق البشر : « سافر أحدث لك رزقا جديدا » . وإن أفضل الأنام ، سافر من مكة إلى الشام . وقد قالت العلماء : إن السفر يسفر عن أخلاق الرجال ، وهو المميّز للذكور عن ربّات الحجال . وقد قيل : إنّ الدرّ لو لم ينقل من معدنه لما رصّعت به التيجان ، ولو لم يسر البدر لكان في غاية النقصان . قال الشاعر ، من الكامل : سافر تنل رتب المكارم والعلا * فالدّرّ سار فصار في التيجان والبدر لولا سيره في أفقه * ما كان إلا زائد النقصان وقال الآخر ، من الطويل : تغرّب « 1 » عن الأوطان في طلب العلا * وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرّج همّ واكتساب معيشة * وعلم وآداب وصحبة ماجد ( 41 ) وإن قيل في الأسفار ذلّ وغربة * وتشتيت شمل وارتكاب شدائد فموت الفتى خير له من حياته * بأرض هوان بين واش وحاسد وللّه درّ الطّغرائى حيث يقول ، من البسيط : إنّ العلا حدثتني - وهي صادقة * فيما تحدّث - أن العزّ في النقل لو كان في شرف المأوى بلوغ منى * لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل على أنى لو كنت أقمت بالقاهرة في هذا الحال ، ما كنت أرى فيها إلّا الوبال ، وحينئذ تمثلت بقول الطّغرائى المفضال ، حيث قال ، من البسيط :

--> ( 1 ) في الأصل : تعرب .