محمد بن عمر التونسي
34
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
الهزل مكان الجدّ ؟ فاعتذر بعذر ساقط ، لا يجد له لاقط « 1 » . فقال له : يا بنى ! إن لي ديونا على بعض الناس ، وقد ماطلونى في دفعها ، ولا يمكنني الارتحال ، إلّا بعد خلاصها على كل حال ، ليستقيم بها أودى ، ويقوى في السفر عضدي . فمكث معه نحو ستّة أشهر ؛ وبعد ذلك تجهّزت قافلة إلى الأقطار المصرية ، فسأل أبى والده في أحد أمرين ، بأن قال له : هذه القافلة متوجهة [ إلى مصر ] ، فإما أن تتوجّه بنا صحبتها ، أو تأذن لي بالتوجّه معها . فأبى عليه فيها ، وقال : أما الذّهاب فلا سبيل إليه ، لما علىّ في تونس من الأموال ، لا سيّما وقد أخبرت بأن أمّك تزوجت ؛ وأما الإذن لك فيكون ، لكن في قافلة أخرى إن شاء اللّه تعالى ، حتى أجمع لك ما تسافر به من الرقيق والجمال ، والذهب والأحمال ، بحيث إنك لا تعود إلّا مجبور الخاطر . فأبى والدي المكث ، واستطال اللّبث « 2 » ، وقال : إني مشتاق أطلب العلم ، وفي إقامتي هنا ضياع زمن بغير فائدة . فاختلف رأيهما ، وحصلت بينهما وحشة . فخرج والدي مغضبا ، وتوجّه مع القافلة لا يملك شيئا ، فألحقه والده بعد ثلاثة ( 34 ) أيام بثلاثة جمال ، وأربع جواري ، وعبدين ؛ وعلى الجمال أهبة السفر ، من مؤونة وماء ، وعلى أحد الجمال حمل صمغ ، فأخذها والدي وسار صحبة القافلة . وبينما هم سائرون ، إذ ضلوا عن الطريق ، وأدركهم العطش ، وطال عليهم الأمد ، فمات الرقيق والجمال ، ورجع إلى مصر فقيرا كما كان . مفرد من الطويل : إذا أقبلت كانت تقاد بشعرة * وإن أدبرت كانت تقدّ السّلاسلا
--> ( 1 ) كذا بالأصل ، وقد عدل المؤلف عن نصب لفظ « لاقط » مراعاة للسجع . ( 2 ) في الأصل : الليث .