محمد بن عمر التونسي
15
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
وكان صاحب الجزائر يعده بذلك ، والأخبار ترد على حسين باشا بذلك ، فكان يغتمّ إذا سمع شيئا من ذلك ، لما يعلم مما يطرأ عليه من انحطاط شانه ، وذهاب ملكه وسلطانه . فاتفق أن ورد عليه خبر أقلقه وأهمّه ، وأحزنه وأغمه ، فركب وهو ضيّق الصدر ، كثير الفكر . وشق في وسط تونس بموكبه ، وكان أحد وزرائه محاذيا له يتحدث معه ، فرآه على تلك الحالة ، فسأله عن سبب تغيره ، فأخبره بما سمع من الخبر . فقال الوزير : أيّد اللّه مولانا ونصره ، أتهتم بأمر لا أصل له ؟ على أنى أقول إنك ما دمت موجودا ، لا تقوم له قائمة . والتفت عن يمينه - وكان بمحلّ يسمى : سوق البلاط - فرأى ساق شجرة يابسا ملقى على الأرض ، فقال له : إن كان هذا الساق يعود شجرة خضراء ، يملك على باشا تونس ويصير حاكما عليها وأراد بذلك اطمئنان « 1 » صاحبه . فما مرت إلا أيام قلائل ، حتى جاء على باشا بجيش كثيف من الجزائر ، وقتل حسين باشا ، واستوزر الوزير المذكور مدة حتى تمهّدت له الأمور . فاتفق أنه ركب يوما في موكبه ودخل تونس ، و [ كان ] الوزير ( 16 ) المذكور محاذيا له كما كان محاذيا لحسين باشا ، فتماديا في سيرهما حتى وصلا إلى سوق البلاط . فالتفت على باشا فرأى ساق الشجرة ملقى بمكانه ، فقال للوزير : إن عاد هذا الساق شجرة خضراء ، يعود على باشا حاكما على تونس . وكان بعض أعداء الوزير ألقى إليه ذلك ، فأسرّه في نفسه إلى ذلك الوقت ، ثم أعرض عنه ، ولم يحادثه بعد ذلك . فعلم الوزير أنه مقتول لا محالة ، لما يعلم من أخلاق على باشا ، لأنه كان سفّاكا للدماء ، حتى أنه كان يقتل على الهفوة الصغيرة ، فضلا عن مثل هذه .
--> ( 1 ) في الأصل : اطمئنان .