محمد بن عمر التونسي
8
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
عقار كان له وتأهّب للسفر ، واشترى معه أحرمة وطرابيش ، وأعطاه الناس أموالا كثيرة يتّجر لهم فيها ، لما يعلمون من صدقه وأمانته ، حتى أنه وسق من السفينة جانبا عظيما . وحين توجه ودّعه إخوانه حتى وصل إلى السفينة ، فركبها وأقلعت بهم بريح طيبة . ثم اختلفت الرياح على السفينة ، حتى أنهم أخذوا طريقا غير طريقهم : وذلك أنهم جاءوا على طريق رودس « 1 » . وبينما هم آمنون مطمئنون « 2 » ، إذ هّب عليهم قاصف ريح ، وكانوا إذ ذاك بجانب رودس ، فتلاطمت عليهم أمواج البحر ، وبدّل الصفو بالكدر ، على حدّ قول الشاعر . شعر من البسيط : حسّنت ظنّك بالأيام مذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي واغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر ( 9 ) وكان بسفينتهم خلل ، فلما تلاطمت عليها الأمواج ، وسطت عليها سطوة « 3 » الحجّاج ، تحلّل تركيبها ، وفسد ترتيبها ، وتفرّقت أجزاؤها ، وانفصلت أفلاذها ، وغرق من فيها ، ولم ينج إلا القليل من راكبيها . وكان ممن نجامنهم جدّي المذكور ، فخلص بعد غصّ الريق إلى البلد المذكور . [ شعر ] من الطويل : إذا سلمت هام الرجال من الرّدى * فما المال إلا مثل قصّ الأظافر فمكث في رودس مدة ، ونفعه فيها هميان « 4 » كان في وسطه ، فيه بعض ذهب ،
--> ( 1 ) كتبت رودس هكذا بضم الدال في الأصل . ( 2 ) في الأصل : آمنين مطمئنين . ( 3 ) في القاموس : سطا عليه وبه قهره بالبطش . ( 4 ) الهميان : وعاء للدراهم ( القاموس )