محمد بن عمر التونسي
376
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
« إلى ابن العم المكرّم السلطان هاشم سلطان كردوفان أعزه اللّه . ( 118 ) أما بعد فانى لا أعلم السبب الذي يحملك على غزو بلادي مع ما هنالك من صلات القربى وعلاقات المودة التي تربطنا ولم يكن منى ما يكدر صفاءها ، وأنت تعلم أن هؤلاء الذين تغزوهم هم مسلمون مثلك يعبدون اللّه ورسوله ، وما من عاقل يفعل ما أنت فاعل . فعند وصول كتابي هذا أرجو أن تكف عن العداء رفقا بالرعية ، وتذكر أن الظالم ينال جزاء فعله والسلام » . فلم يلتفت السلطان هاشم إلى هذا الكتاب ، بل عاد إلى ارسال السرايا لغزو الحدود . فتيقن السلطان تيراب إذ ذاك أنه لا يرجع الا بالسيف . فجهز لقتاله بكل قوته وآلة حربه ، ولم يشأ أن يخلى العاصمة من السكان ، فأعتق مئة عبد بنسائهم ، وأمر رجاله فأعتق كل منهم عبدا أو أكثر بنسائهم ، وجعل أكبر عتقائه حاكما على المدينة ، وعتيق امامه الحاج عبد الغنى اماما للمسجد ، ونهض بجميع جيوشه قاصدا كردوفان . فنزل بمحل يقال له : ريل ، في بلاد البرقد ، وبنى له زريبة من شوك وبنى في داخلها منازل من الطين ، وشرع في الاستعداد للحرب . وجرى للسلطان تيراب وهو يتأهب للحرب في ريل حكاية مع أحد البرقد تستحق الذكر . قالوا : خرجت جارية من جواري السلطان إلى بئر قريبة من الزريبة لتستقى ، فرآها رجل من البرقد ، فهام بها وطلب حضانتها في منزلها على جارى عادة أهل تلك البلاد . فقالت له : ومن أين لك ذلك وأنا في زريبة السلطان ؟ قال : دلينى على محلك في الزريبة وأنا أعلم كيف أدخل اليه . فدلته ، ولما جنّ الليل جاء إلى الزريبة واقتلع الشوك من بعض جهاتها البعيدة عن الخفراء ، وذهب إلى حيث دلته الجارية ، وجلس ينتظر قدومها . فاتفق أن السلطان خرج في ذلك الوقت من مخدعه يتمشى في الزريبة ،