محمد بن عمر التونسي

359

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

- لو كان من الأسرة المالكة - ولاية السلطنة . وجرت العادة أن ينسى الناس اليوم حكومة الأمس . إذ رأينا كيف استطاع السلطان عبد الرحمن الرشيد ، أبو الأمير أبى مدين ، أن يستعين بالسلاح في الحصول على لقب سلطان ، واخضاع الخليفة اسحق لسلطانه . والآن يحدث نفس الشئ ، إذ قد يصادف أبو مدين ما صادفه أبوه من قبل ، ومن المحتمل أن يجد أبو مدين في دارفور حزبا قويا يعول عليه . وإذا اعتلى أبو مدين عرش دارفور ، فسوف يتحقق لأهلها على يديه خير كبير . فهو في سن النضج ، إذ يبلغ من العمر حوالي أربعين عاما . ثم إن سنوات نفيه واقامته في مصر زودته بنوع خاص من التربية ، فضلا عن بعض الأفكار التي يعتزم تحقيقها ، فهو من أشد المعجبين بالوالي محمد على ؛ ولو وجد من يساعده ويتعاون معه تعاونا صادقا ، فإنه سوف يعمل - فيما أعتقد - على ادخال اصلاحات مفيدة في بلاده . كان أبو مدين يحاول دائما - أثناء أحاديثه - أن يتزود بالمعلومات وكثيرا ما كان يسألني عن أنواع الحكومات في أوروبا ، وعن قوانين فرض الضرائب وجبايتها في فرنسا ، وعن تكوين الجيوش ، وحقوق المواطنين ، فضلا عن أشياء أخرى خاصة بالتجارة والصناعة والتربية والتعليم . وكثيرا ما أبدى رغبته في رجاء محمد على أن يبعث به إلى باريس لقضاء عام أو عامين ، حتى يستطيع أن يشهد بعينيه مظاهر الحضارة التي سمع عنها . وبدأ أبو مدين فعلا في تعلم اللغة الفرنسية ، فكتبت له الحروف الأبجدية وجعلته ينسخها عدة مرات ، واستطاع بعد ذلك أن يوقع باسمه بالأحرف الفرنسية . ولست أدرى إذا كانت الرغبة في تعلم اللغة الفرنسية راودت سلاطين آخرين سواء كانوا بيضا ، أو سمرا ، أو أقرب إلى اللون الأصفر . ولأبى مدين وجه صريح ، وحديث شيق مستفيض ، وعينان تنمان