محمد بن عمر التونسي
282
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
وأرداها هواء الصّعيد لكثرة مياهها ، خصوصا جبال مرّة ، ووخمها وعفونتها ، لكن لا تكون أرضه وخيمة إلّا على من لم يعتدها . وأمّا المولودون فيها تراهم أصحاء أقوياء ، لكن عندهم الحمّى كثيرة ، وأردا من الصّعيد المدن ، وأقواها الفاشر ، ويليه كوبيه وكبكابيّة . وأمّا سلا ، وفنقرو ، وبينحيا ، وشالا ، فأوخم الأماكن كلّها ، لكثرة الرّطوبة عندهم ، واستمرار الأمطار ، لأنها لا تنقطع في السّنة إلّا مدة شهرين أو ثلاثة . ومع ما في دار الفور ممّا ذكرناه من الأمراض ، كلّ منهم يحبّ وطنه ، ويألف سكنه . وإذا تحوّل إلى غيره يبكى عليه ، ويتمنّى الرجوع إليه ، وهذه غريزة جبل عليها الإنسان ، وانطبع عليها الجنان ، ( 258 ) من قديم الزمان . فلذلك كان المصطفى - صلى اللّه عليه وسلم « 1 » - يحنّ إلى مكة حنين المشتاق ، ولولا أنّ اللّه أمره بسكنى المدينة لأقام بمكّة بعد الفتح باتفاق . لكن من حيث أنّ أمراض بلاد السودان لم تكن وبائية قتّالة ، كانت أعمارهم أطول من أعمار غيرهم ، فلذلك تجد فيهم المسنّين ، حتى تجد من تجاوز المائة وعشرين « 2 » . وأما أبناء السّبعين والثمانين والتّسعين ، فلا يكاد أن يحصرهم العدّ ، ولا يوقف لكثرتهم على حدّ . هذا مع ما ابتليوا « 3 » به من الفتن ، والحروب والمحن ، لأنّ كلّ قبيلتين منهم بينهما دم مسفوك ، وثأر مطالب به غير متروك . كما بين البرتي
--> ( 1 ) في الأصل : ص م . ( 2 ) كذا . ( 3 ) كذا في الأصل .