محمد بن عمر التونسي

251

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وأبذلهم في ذلك وسعا ، كان يوجد عند الملك من الخصيان ( 227 ) عدد كثير ، وجمّ غفير ، فيوجد عند سلطان دار الفور نحو الألف أو أكثر ، وعليهم ملك منهم ، وهم له كالعساكر . وهو الّذى يرتّب في بيت السّلطان ما يلزم منهم للحراسة ، ويبقى عنده ما زاد إلى وقت الحاجة . والخصيان مكرمون عند الأكابر ، خصوصا في دار الفور ، فإنّ لهم فيها سطوة وأىّ سطوة ، والكلمة النافذة والقوّة ؛ و [ لهم ] مقام ومقال ، وحال لا يماثله حال ، حتى إنّ لهم هناك منصبين جليلين ، لا يتولّاهما غير خصىّ : أحدهما منصب الأبوّة « 1 » ، والثاني منصب الباب ، وأقول : إنّ منصب الباب غير مختصّ بدار الفور ، بل في تونس ، وفي قسطنطينيّة كذلك . وأصل الخصيان الذين في دارفور ، من بلدرونجه ، يخصونهم هناك ، ويأتون بهم إلى دارفور على سبيل الهديّة ، لكنّهم كثيرون جدا ؛ ومنهم من يخصى في دارفور . ولقد رأيت ، حين كنت هناك ، غلاما حسن الوجه ، جميل الصّورة ، في نحو الثمانية عشر ، خصى في دارفور . وسببه أنه كان من خدم السّلطان محمد فضل ، وأحبّ غلمانه الذين ربّوا في البيت ، وكان له سعد قائم ، تحبّه النّساء ، لقضاء أوطارهنّ غير الخناء « 2 » . وكان اسمه : سليمان تير ، فحسده أقرانه ، ونمّوا عليه عند السلطان ، فغضب عليه وأراد قتله ، فأشار عليه بعض وزرائه بخصيه ، وقال له : من حيث أنّ الأمر ( 228 ) كذلك ، اقطع ما يؤذيك به ولا تقتله . فخصاه وعاش واجتمعت

--> ( 1 ) أي : منصب الأب الشيخ وقد سبق شرحه في ص 64 . ( 2 ) كذا بالمد في الأصل مراعاة للسجع والخنا ، بالقصر : الفحش .