محمد بن عمر التونسي

163

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

أولّا ويقلن : لا أحد يذهب معه . فيتحنّن لهنّ ويتملّق حتى يرضين ، فيقول : من أراد الذّهاب منكنّ فلينزل في القرعة . ويبعد عنهنّ قليلا ، وحين يسمع بصوت وقوعه في اللبن ، يغطّى القرعة بطبق من سعف ، ويأخذها من علّاقتها مغطّاة ويدفعها لصاحبه المشترى ، فيأخذها ويذهب بها إلى داره ، ويعلّقها في بيته ، ويوكّل بالقرعة جارية أو امرأة ، تأتى كلّ يوم على « 1 » الصباح ، وتأخذ القرعة وتريق ما فيها من اللبن ، وتغسلها « 2 » جيدا ، ثم تضع فيها لبنا آخر محلوبا في ساعته وتعلقها . وحينئذ يأمن الإنسان على ماله من السّرقة والضياع . وكنت أكذّب ذلك حتى كثر مالي ، وصارت العبيد والخدم يسرقونه ، فاحتلت على منع السرقة بكل حيلة فلم يمكنّى « 3 » ذلك . وشكوت لبعض أصحابي ، فأمرني أن أشترى دمزوقا ، و [ أخبرني ] أنى أكفى شرّ السرقة . فحدانى حبّ المال أن توجهت إلى رجل سمعت أن عنده دمازيق ، وقلت له : أعطني ( 148 ) دمزوقا يحرس « 4 » لي مالي . وأعطيته ما طلبه ، فقال لي : اذهب واملأ قرعة من لبن حليب وهاتها . ففعلت ، وأتيته بالقرعة مملوءة لبنا ، فأخذها وذهب ، وبعد ساعة جاءني ، والقرعة مغطّاة ، وقال لي : علّقها حيث مالك مخزون . وعرّفنى ما ينبغي أن يفعل كلّ يوم ، من غسل الآنية ، وتجديد اللبن . ففعلت ذلك ، ووكّلت جارية بذلك ، وأمنت على مالي ، حتّى أنى كنت أترك بيت مالي مفتوحا ، ولا يقدر أحد على الوصول

--> ( 1 ) كذا . ( 2 ) في الأصل : ويغسلها . ( 3 ) في الأصل : يمكنني . ( 4 ) في الأصل : دمزوقة تحرس .