محمد بن عمر التونسي

160

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وصواحبها « 1 » فيجلسن أمامهم على حدة ، فينفرد الورنانيح ويدنو من الميرم ، ويخاطبها بكلام يعرفه هو وهي ، فتأمر الميرم جماعتها أن يتفرّقن على جماعة الورنانيح ، فيأخذ كلّ فتى فتاة ، ويذهبان إلى محلّ ينامان فيه إلى الصباح ، ولا عار في ذلك على إحدى « 2 » منهن . وليعلم أن الرجال في دارفور لا يستقلّون بأمر ألبتّة إلا الحرب ، فليس للنساء دخل فيه ، وما سوى ذلك فهم والنساء سواء . بل أكثر الأشغال وأشقّها على النساء . وللرجال اختلاط عجيب بهنّ بالليل والنهار ، في جميع الأعمال . ومن العجب في أهل جبل مرّة ، أنهم لا يأكلون من القمح الذي يزرعونه ، بل يبيعونه ويستبدلون بثمنه دخنا . وأعجب من ذلك غلظ قلوبهم وجفاوتهم ، مع أنهم ممتزجون بالنساء امتزاجا كلّيا . وهذا خلاف المشاع على ألسنة جميع أهل بلاد أوروبّا ، من أن الرجال إذا امتزجوا بالنساء تذهب غلاظة « 3 » قلوبهم ، ويكتسبون ( 145 ) الرقة وحسن الطبع . ومن غلاظة طبعهم ، أن الرجل يسافر الفراسخ العديدة راجلا ، ويكون معه حمار ، فيسوقه أمامه ولا يركبه ، وإن سئل يقول : إن ركبته أبطأ بي . وأما لغتهم فهي لغة فيها حماس ، ألفاظها تشبه ألفاظ اللغة التركية ، لأنهم إذا دعوا إنسانا يقولون له : جلا . والتّرك يقولون : ؟ ؟ ؟ كال ( جال ؟ ؟ ؟ ) . وقولي : تشبه اللغة التركية ، ليس معناه أنهما متقاربتا « 4 » المعنى ، بل وجه الشبه في مجرد الألفاظ ، وإن اختلف موضوع

--> ( 1 ) في الأصل : وصواحبتها . ( 2 ) كذا ، وقد تكررت هذه الصيغة مرارا . ( 3 ) الغلاظة بالكسر : ضد الرقة ( القاموس ) . ( 4 ) في الأصل : متقاربتى .