محمد بن عمر التونسي

130

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

السلطان ، وجد الأب الشيخ محمد كرّا والفقيه مالك ، جالسين ، والسلطان بينهما مسجّى . فلما رآه كذلك بكى ، ثم بعد استرجاعه قال له الأب الشيخ : إن السلطان قد توفّى ، فماذا ترى ؟ فقال : لا أرى سوى « 1 » رأيك . فقال له الأب [ الشيخ ] : أتعاهدنى على ذلك ؟ قال : نعم . فحلّفه وأخذ مواثيقه ، أنّه لا يتعدّى رأيه . ثم رفع السّتر وقال : هذا السلطان . يعنى : محمد فضل . فقال الملك إبراهيم : وهو كذلك . فقال : قم فبايعه . فبايعه حينئذ وجلس . ثم أرسل إلى الوزراء والملوك ، واحدا بعد واحد ، وكلما جاءه أحد ، فعل معه كما فعل بالملك إبراهيم ، حتى استوثق من أكابر الدّولة كلّهم ، ولم يترك منهم إلا من لا قوّة له . ثم أعلن بموت « 2 » السلطان ، وضربت طبول الحزن ، وسمعها أولاد السلاطين ، فركبوا وجاءوا شاكين السلاح ، هاجمين على دار ( 125 ) السلطان . فرأوا الأمر مهولا ، والجند محيطا بها ، حارسا لها منهم ومن غيرهم . فلمّا لم يجدوا إلى الدخول سبيلا ضربوا في البلاد ، وصاروا ينهبون أموال الناس ، وتجتمع عليهم الغوغاء ، حتى صاروا في جند كثيف ، وثقلت وطأتهم ، وعظم شرهم . فجهّز لهم الأب الشيخ جيشا لنظر الملك دلدن ، الذي أسفلنا ذكره ، وهو ابن عمّة السلطان محمد فضل ، فخرج إليهم ، وأوقع بهم ، وانهزمت الغوغاء الملتفّة عليهم . وقتل منهم كثير ، وظفر بأولاد السلاطين ، وجئ بهم إلى الأب [ الشيخ ] مصفّدين . فأرسلهم الأب [ الشيخ ] إلى السجن في جبل مرّة ، وسكنت الفتنة ، وتمهّدت الأمور .

--> ( 1 ) في الأصل : سوء . ( 2 ) في القاموس : أعلنه وأعلن به .