محمد بن عمر التونسي

125

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

نفسي . فحينئذ لم تجد بدّا من طاعته ، وقالت : دع الخدم يرفعن هذه ( 119 ) الجفنات ، واحبس أنت هذه . فقال : لا ، بل حتى تفرّغ هذه الجفنة ، وتملأ كما كانت ، ويحمل كلّه مرة واحدة . ولما جئ بالأوانى ، واغترف من الجفنة ، ظهر الدروع من تحت الطعام ، فنادى : يا أمّ حبيب ، ما هذا ؟ فخجلت ولم تحر جوابا . فعند ذلك أمر بالقبض عليها ، وقلب جميع الجفنات ، فوجد فيها كلّها دروعا وسيوفا وريالات فرانسا ، ونحو ذلك . فقال لها : أىّ ذنب وقع منى حتى دبّرتى « 1 » على هلاكى ؟ فلم تردّ جوابا ، فأمر بقتلها في تلك الساعة فقتلت . وفي الحال أرسل ملكا من ملوكه إلى بيت حبيب ، بعد أن دعا حبيبا إليه ، فحضر على حالة الطمأنينة ، فلما مثل بين يدي السلطان ، أمر بالقبض عليه ، فوضع [ في ] المحبس ، ثم أرسله تحت جنح الليل [ إلى ] جبل مرّه ، واستصفى ما عنده من المال ، وردّ الدروع والسلاح إلى مقرّها ، ثم قبض على جميع من تواطأ مع حبيب ، ولم يبق منهم أحدا . وتمهّدت أموره ، واستوزر الفقيه مالك الفوتاوى لظنّ علميّته وصلاحه ، وكان يدّعى أنه يعرف سرّ الحروف « 2 » ، وعلم الأوفاق ، مع أنه كانت فيه عامّيّة ، وكثيرا ما كان يظهر الورع والصلاح ، ويبطن ضدّه . وكنت أظنّ ذلك منه ، حتى حقّق اللّه ظنّى فيه في مجلس واحد . وذلك أنه لما ترقّى الوزارة ، أدخل جميع قبيلة الفلّان التي بدارفور تحت أمره ،

--> ( 1 ) كذا ، وهي صيغة عامية . ( 2 ) في الأصل : الحرف .