محمد بن عمر التونسي
115
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
ولما أراح [ اليتيم ] « 1 » قلبه من قتال الخليفة وسكن جأشه ، نظر في أمر الرعية ، فأبطل المكوس ، ورفع المظالم ، وولّى المناصب ، وانتبه لعمار البلاد ، ورفاهية الحال ، وقطع الإعلان بشرب الخمر والزّنا ، وأمّن الطرق وكانت مخوفة . فبعد ذلك صارت أمنا ، حتى أنّ المرأة كانت تسافر من أقصى البلاد إلى أدناها ، محمّلة من الحلىّ والمتاع ، لا تخشى إلا اللّه . وكثرت التجارات ، وتتابع الخصب ؛ وأظهر العدل التامّ ، فكان لا يكرم ظالما ولا يعينه ، ولو كان من ذوى قرابته . ولقد أخبرني الثّقة : أنّ أعرابيّين تعرّضا له يوما - وكان ( 108 ) قادما من الصيد - فقال له أحدهما : أنا مظلوم ، يا رشيد ، اللّه يخلّيك ، يا رشيد ، أنا مظلوم . ومن عادتهم أنّ المظلوم إذا جاء أمام السلطان ، يضع إصبعى يده اليمنى ، أي السبّابة والإبهام ، على شدقيه ، ويردّدهما مع إخراج صوت عال ، فيه كاف واحدة وراءات كثيرة مضمومة ، فيخرج من فيه صوت يقال له : الكروراك . وهذا الصوت لا يصوّت « 2 » به أحد ، إلّا إذا كان أصيب بمصيبة . فكان الأعرابىّ يصوّت كذلك ، ويقول بعد كل صوت : اللّه يخلّيك ، يا رشيد ، أنا مظلوم . وشغل عنه السلطان ، إمّا لأمر قام به ، أو لأنه لا يسمعه ، لكثرة الطبول والغناء وأصوات الجند . فكرورك الأعرابىّ مرارا ، فلمّا لم يجبه السلطان ، قال له صاحبه : خلّه عنك ، رشيد لنفسه لالك . فسمعه السلطان ، فوقف وسأل الأعرابىّ عما قال ، فقال : إنّ أخي هذا كرورك مرارا ، واشتكى لك ، وهو ينادى : يا رشيد ، أنا مظلوم . فلمّا لم تجبه قلت له : خلّه ، فإنه رشيد لنفسه ، غير رشيد لك . فضحك السلطان وقال : بل أنا رشيد لك أيضا ، قل لي : من
--> ( 1 ) الزيادة عن الترجمة الفرنسية Voyage , p . I 03 ( 2 ) في الأصل : لا يصوته به .