محمد بن عمر التونسي

64

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

فركبنا من أبى الجدول إلى تندلتى « 1 » ، وهو مقر السلطان « 2 » ، في أول شعبان سنة 1218 « 3 » ، ويسمّى بلغتهم : الفاشر « 4 » . وكل محل سكنه السلطان يسمّى فاشرا . فسافرنا يومين سفرا غير شطيط ، ودخلناه ضحوة الثالث ، فوجدنا بلدا يموج بالساكن ، ويرتجّ بالقاطن ما بين راكب وماشى « 5 » ، وجالس وغاشى « 6 » ، وطبول ترعد ، وخيول تركض . فدخلنا دار الفقيه مالك ، فوجدناه جالسا بين خدم وحشم ، وأرباب الحوائج محتفّون به . فدخلنا عليه ، فسلّم عليه عمى ، فأعظم ملقاه ورحب به ، فعرّفه عمّى بي ، فسلّم علىّ وبشّ في وجهي ، ورحّب بي . ثم إن عمى أعطاه الكتاب الذي له ، والكتب التي للدولة ، فقرأ كتابه ورحب [ بنا ] ، وأفرد لنا محلّا وضعنا فيه متاعنا ، ثم أخذنا في الحال إلى دار [ الأب ] الشيخ محمد كرّا ، فرأينا دارا على بابها من الخيل والدوابّ ما لا يحصى كثرة ، ودخلنا فرأيناه جالسا في ( 61 ) مجلس

--> ( 1 ) تندلتى : اسم قديم لبحيرة ( أي : فولة ) ، وقد نشأت حولها مدينة الفاشر الحالية . S . N . R . XXXIII , Part I , p . I 38 . ( 2 ) في الأصل : السلطاني . ( 3 ) شعبان سنة 1218 ه - ديسمبر سنة 1803 م . ( 4 ) كان يطلق اسم الفاشر أول الأمر على مجلس السلطان . ولما كان هذا المجلس ينعقد في الغالب في ميدان واسع يقع أمام قصر السلطان ، فقد عرف الميدان كذلك باسم الفاشر ، ثم صار الاسم يطلق بعد ذلك على أي مكان يستقر فيه السلطان . Barth , H , : Travels and Discoveries in North and Central Africa , Vol . III , pp . 552 - 53 . ( 5 ، 6 ) في ورود اللفظين : « ماشى » ، و « غاشى » ، بالياء في الأصل دليل على أن المقصود هو الاستعمال العامي وليس الفصيح الذي يقتضى حذف الياءين . ومن هذا وكثير غيره نلاحظ أن المؤلف يزاوج كثيرا بين الفصحى والعامية في أسلوبه .