ابن جبير
11
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي )
بشواهد مستفيضة بما يحفظ من القرآن الكريم والسيرة النبوية المشرفة . إنه رجل قوي الإيمان شديد التقوى ، يولي المواقع التاريخية والآثار المقدسة عناية خاصة ويتبرك بزيارتها ، معبرا بذلك عن نفس حرة كريمة عامرة بالصلاح والتواضع والسيرة العطرة . يكفي هنا أن نشير إلى ما ذكر من تفاصيل في مناسك الحج والمسجد الحرام في مكة المكرمة وزيارته لمدينة رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ومسجده المبارك هناك . ولا بد أن نتابعه خطوة خطوة ونعيش بصحبته كل دقيقة ، وهو يمضي بنا في أرجاء تلك العتبات والأماكن المقدسة . ولا ينسى أن يعرج بنا إلى أضرحة الشهداء والأولياء والصالحين الأوائل الذين احتضنتهم تلك التربة المطهرة لنتأمل أعمالهم الصالحة ، ونستعيد ذكرياتهم وموافقهم المجيدة وهم يحملون مشاعل الخير والحق والعدالة للبشرية جمعاء ، ويخرجون بأجيال الأمة من الظلمات إلى النور وراء الرسول الأعظم ، الرائد المطهر الذي لا يكذب أهله ، صلوات اللّه وسلامه عليه . إن صدق الحب والإيمان والتقوى لا بد أن ينتقل إلى نفس القارئ الكريم ، ليشارك هذا الرجل الورع الحليم في كل كلمة طيبة ومع كل التفاتة راضية . والكاتب ينعى على المسلمين في المشرق العربي ما حل بهم من خلاف وانحراف عن الصراط المستقيم ، وربما بدا منحازا إلى مذهب دون غيره أو منددا بمذهب آخر لا ينسجم مع عقيدته ، إنما لا ينبغي أن ننسى أنه عاش في عصر الحملات الصليبية التي كانت تقتضي موقفا جماعيا موحدا من أجل التصدي لأعداء الأمة الطامعين . وكان صلاح الدين الأيوبي ممثلا لذلك الموقف الجهادي الموحد وقائدا له . ولعل هذا الإخلاص الوجداني العميق هو الذي جعل ابن جبير متشددا إلى حد التعصب الصارم الذي لا يقبل المداهنة أو المداراة . إن كلمة الحق التي تشغل بال المؤمن الصادق لا بد من إعلانها بلا تردد ولا مجاملة ، ولا سيما حين يتكاثر عدد المنافقين ويغدو المتمسك بعقيدته كالقابض على الجمر . وليس لنا أن ننسى أن ديار الإسلام كانت محط أطماع غربية ، وهي تواجه هجمات عدوانية ضارية لا يمكن السكوت عنها أو التعامل معها بتسامح بارد واستسلام ذليل .