أبو ريحان البيروني

14

تحقيق ما للهند

متّقيا لشرّ من فشل وفزع . ومن مخبر عنه طباعا كأنّه محمول عليه غير متمكّن من غيره وذلك من دواعي الشرارة وخبث مخابىء الطبيعة . ومن مخبر عنه جهلا ، وهو المقلّد للمخبرين وإن كثروا جملة أو تواتروا فرقة بعد فرقة فهو وهم وسائط فيما بين السامع وبين المتعمّد الأوّل ، فإذا أسقطوا عن البين بقي ذاك الأوّل أحد من عددناه « 1 » من التخرّصين والمجانب للكذب المتمسّك بالصدق هو المحمود الممدوح عند الكاذب فضلا عن غيره ، فقد قيل « قولوا الحقّ « 2 » ولو على أنفسكم « 2 » » وقال المسيح عليه السّلام في الإنجيل ما هذا معناه : « 3 » لا تبالوا بصولة الملوك في الإفصاح بالحقّ بين أيديهم فليسوا يملكون منكم غير البدن ، وأمّا النفس فليس لهم عليها يد « 3 » وهذا منه أمر بالتشجّع الحقيقيّ ، فالخلق الذي تظنّه العامّة شجاعة إذا رأوا إقداما على المعارك وتهوّرا في خوض المهالك هو نوع منها ، فأمّا جنسها العالي على أنواعها فهو الاستهانة بالموت ، ثم سواء كانت في قول أو كانت في فعل ، وكما أنّ العدل في الطباع مرضيّ محبوب لذاته مرغوب في حسنه كذلك الصدق إلّا عند من لم يذق حلاوته أو عرفه وتحاماه كالمسؤول من المعروفين بالكذب : هلّ صدقت قطّ ؟ وجوابه : لولا أنّي أخاف أن أصدق لقلت لا ، فإنّه العادل عن العدل والمؤثّر للجور وشهادة الزور وخيانة الأمانة واغتصاب « 4 » الأملاك بالاحتيال والسرقة وسائر ما به فساد العالم والخليقة . وكنت ألفيت الأستاذ أبا سهل « 5 » عبد المنعم بن عليّ ابن نوح التفليسيّ أيّده اللّه مستقبحا قصد الحاكي في كتابه عن المعتزلة الإزراء عليهم في قولهم : « إنّ اللّه تعالى عالم بذاته » ، وعبارته عنه في الحكاية أنّهم يقولون إنّ اللّه لا علم له تخييلا إلى عوامّ قومه أنّهم ينسبونه إلى الجهل ، جلّ وتقدّس عن ذلك وعمّا لا يليق به من

--> ( 1 ) في ز : عددناهم . ( 2 ) القرآن 4 / جزء من اية 134 . ( 3 ) إنجيل متى ( 10 / 28 ) . ( 4 ) من ز ، وفي ش : اعتصاب . ( 5 ) راجع ترجمة كتاب الهند بالإنكليسية ( Al Beruni's India ) ج 2 ص 250 .