هشام جعيط
14
تأسيس الغرب الإسلامي
الجسيمة ، نجحت الإمبراطورية البيزنطيّة في الحفاظ على وجودها ، لكنها بقيت مع ذلك مهددة ومطوّقة ، ممّا سيجعلها تتحمل لقرون طويلة الضغط العربي الذي أرضخها ولكنه لم يقض عليها تماما . يتوجّب في إطار هذه الثنائيّة وضع جذور الفتح العربي لتونس ، انتشاره وحتى أسلوبه . لقد ظهر بجلاء - أولا - أنّ فتح إفريقية كان النهاية المنطقية لفتح مصر ، وأن هذه هيأت لتلك . دخل عمرو بن العاص سنة 642 م منتصرا إلى الإسكندرية ، ثم بعث جيوشه إلى برقة وآنطابلس ، فأخضعت بسرعة قبيلة لواتة البربرية . وتقدمت هذه الجيوش في اتجاه زويلة في الصحراء ، وحتى في اتجاه طرابلس . وفي سنة 646 م ، كان عليه ، مع ذلك ، استرجاع الإسكندرية من بين أيدي البيزنطيين الذين أطرد جيشهم الإمبراطوري بقيادة مانويل Manuel ، بعد أن هزمه . يعني أنه وفي هذا الرّدح الزمني الذي يمتد على خمس أو ست سنوات ( من 21 إلى 26 ه ) ، كان النشاط العسكري العربي مكثّفا في مصر وعلى الساحل الليبي ، وأنه لم يمكن اعتبار الاستيلاء على مصر أمرا مؤكّدا ونهائيا إلا سنة 646 م . لقد حدثت - والحالة هذه - أول غارة في قلب إفريقية سنة 27 / 647 ، وهو ما يعني أن نشاط العرب العسكري في هذه الولاية جاء ليستأنف مباشرة المشروع المصري ، وبالتالي فإنه لا يوجد حد لمواصلة التمشّي العربي في اتجاه الممتلكات المتوسطية الغربية لبيزنطة . ولكن ، لم يكن عمرو ، الذي عوّضه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح على رأس مصر ، هو الذي أولى العناية لتحضير حملة إفريقية وتنظيمها . لقد مثّلت مصر القاعدة الأساسية التي انطلقت وما زالت تنطلق منها الهجومات ، فهي توفّر أغلبية الجنود والأموال والقادة الضروريين . إلى جانب كلّ هذا ، ينضاف - بالنسبة إلى الحملة الأولى - نواة على جانب من الأهمية ، من البدو المنتمين إلى المناطق القريبة من المدينة مثل قبائل جهينة ومزينة وسليم وأسلم خاصّة ، فضلا عن حضور هائل عددا