عمارة الحكمي اليمني

23

تاريخ اليمن ( ويليه المختصر من كتاب العبر لابن خلدون ويليه أخبار القرامطة باليمن للجندي )

وكان الوزير عادة يستمع لآرائه ، ويستشيره في مسائل الدولة الهامة ، وقد جمع القاضي ثروة طائلة ، ومن وقفياته التي خصصها للبر والإحسان : وقفية حبس إيرادها لفداء الأسرى المسلمين من أيدي المسيحيين ، كما شيد مدرسة ألحق بها مكتبة تحتوي على أكثر من مائة ألف مجلد « 1 » . كان هذا القاضي أحد الذين ألحوا في حض صلاح الدين على خلع الخليفة الفاطمي « 2 » وحظي عمارة لفترة من الزمن برعاية القاضي الفاضل ، وعكف على تأليف كتاب « تاريخ اليمن » استجابة لرغبته ، لكنها صداقة ما كانت لتدوم طويلا بين اثنين مثلهما تباينت سجاياهما ، وقد فرقت بينهما أحداث السياسة ، وفطن عمارة قبل انقضاء وقت طويل أن القاضي ليس سوى عدو له . ويحكى أنه لما صدر الحكم بموته اقترب القاضي من صلاح الدين ليساره ، فصاح عمارة قائلا : « مولاي لا تسمع إلى ما يقوله عني » . فانصرف القاضي مغضبا ، والتفت صلاح الدين إلى الرجل المنكود وقال له : « لقد كان يتشفع لك » . فخفض عمارة رأسه صامتا . وكان هذا الحادث في نظره وفي نظر كل من كان حاضرا علامة على أنه لا مرد لقضاء اللّه . أما عن اشتراك عمارة في المؤامرة التي اتهم بها ، فمن المقطوع بصحته أنه أثار ريبة أتباع صلاح الدين ، ثم ألهب من بعد حقدهم عليه بدفاعه في جرأة - إن لم يكن في طيش - عن الأسرة المخلوعة ، وبأشعاره الحماسية التي كان دائما على أهبة نظمها . حدث ذات مرة أن قصد مع أحد الشعراء إلى نجم الدين أيوب والد

--> ( 1 ) خطط : 2 / 79 ، 366 . ( 2 ) ينسب هذا القاضي إلى بلدة بيسان من قرى الأردن بين حوران وفلسطين . قدم القاهرة وخدم فيها في أيام الخليفة الحافظ الفاطمي ( 524 - 544 ه . ) . وترقى حتى صار صاحب هذا الديوان ، ولما قدم أسد الدين شيركوه إلى مصر اتخذه كاتبا له . ولما آلت الوزارة إلى صلاح الدين الأيوبي ، استعان بالبيساني في إزالة الدولة الفاطمية ، ثم جعله وزيرا له ومشيرا ، فظل في الوزارة إلى سنة 596 ه . حيث مات وهو في طريقه لقتال الملك العادل بن أيوب الذي كان يرغب في غزو مصر ( وفيات : 1 / 357 - 359 ؛ خطط : 2 / 366 - 367 ) .