السيد حسين البراقي النجفي
261
تاريخ النجف ( اليتيمة الغروية والتحفة النجفية )
سموم فحين ما خرجت من النجف ونزلت إلى الوادي وخرجت عن المقابر جفّ الماء الذي في الكوز الذي معي لشدّة الحرّ ، ولفحة الهجير ، فلم يعوقني ذلك إلى أن بعدت عن المقابر فأصابني العطش حتى ظمأت ودلع لساني وقصرت شفتاي ، وصار على عيني كالدخان ، وضللت الطريق ولا أدري أين صرت ، وذهب عن اختياري فصرت لا أسمع ولا أبصر ولا أميّز وقصرت خطاي ، وقلّت قواي ، إلّا أني من اللّه أجد نفسي أعلو مرتفعا ، وأهبط واديا ، وسيري رويدا رويدا ، فمن لطف الباري - جلّ شأنه - وبركات الأئمة عليه السّلام إذ رأيت كأني صعدت على شيء كالتل العظيم ؛ فلمّا علوته انكشف بصري فرأيت كأن تحت ذلك التل خياما منصوبة وبيوتا معقودة لا أوّل لها ، ولا منتهى لآخرها لكثرتها ؛ فلما رأيت ذلك حدث فيّ نشاط ، وقلت : أصبت الماء ، ثم قصدت الخيام فوقعت على أول خيمة ، وإذا هي كبيرة واسعة ، وفيها أقوام فحين ما رأوني قالوا : مرحبا بك وأهلا وسهلا قدّمت علينا يا شيخ مهدي خير مقدم ، ثم أستقبلوني وأجلسوني معهم ، وقالوا : إنه عطشان ، ثم جاءوني بقدح من البلور فيه ماء ؛ فلما أخذته ووضعته على فمي وجدت برودته في كبدي فشربت حتى أرتويت ورجعت إلى نفسي ، وردّ عقلي واستقرّ بدني ، وانكشف بصري ، فجعلت أنظر إلى ذلك المكان وإذا به مدّ البصر ، وفيه الخيام المنصوبة الملونة بالألوان المختلفة من الحرير والديباج بجميع ألوانه : أحمر ، وأصفر ، وأخضر ، وأبيض ، وأزرق ، وما شاكل ذلك والأرض معشبة خضرة نضرة بالرياحين والورد الملون ، وفي تلك الخيام الأسرة وفرش ومتكأت على ألوان أخر ، وفيها أناس لم أر مثل صفتهم ، ولا مثل ثيابهم ، ولا مثل عمائمهم ، وكلّهم عليهم الهيبة والكمال وعلى رؤسهم التيجان إلّا أني لم أعرفهم ، وما عرفت منهم إلّا أشخاص قليلون بعضهم علما وبعضهم علماء ؛ فلما رأيت ذلك نهضت وسلّمت عليهم وقلت لهم : / 149 / ألستم فلان وفلان وفلان ؟ قالوا : نعم .