أحمد بن عميرة المخزومي

90

تاريخ ميورقه

قصّة الغراب وتجهيزه بالحث وتوجيهه في البحر للبحث وأثناء ما ذكر كانت أخبار العدو تزيد ، وقضاء الله ينفذ كما يريد ، فرأى الوالي أن يجهز غرابا يصل غدوّه بمسراه ، ويذهب حتى يعاين مجتمع العدو في مرساه . فزجر منه أشأم طائر « 1 » ، وزجّى منه واردا غير صادر ، فإنه بعد أن شارف المجتمع ، وقارب أن يرى وأن يسمع ، عصفت عليه ريح ردّته ، ولولا كمال عدّته لأردته ، وما زالت تقلبه ظهرا لبطن ، وتغلبه على اختياره وهو من أمر العطب على غير أمن ، حتى انتهت به إلى غايته الشقية ، ورمت به بنشكلّة « 2 » قاصية الثغور الشرقية . وهنالك تورّط في الساحل ، وعنّى جوابا على السائل ، وأخذ أهل / 19 / بنشكلّة جميع عدده ، وجاء النصارى فأضرموا النار في جسده ، وكان صحيفة استعجمت وعهدت مقروءة ، وعينا « 3 » لميورقة أصبحت مفقودة مفقوءة « 4 » .

--> ( 1 ) استعارة مكنية شبّه فيها المؤلف السفينة السوداء ( الغراب ) بالطائر الذي يزجر أي ينهر . والزجر للطير هو التيمن والتشاؤم بها والتفاؤل بطيرانها كالسّانح والبارح ، وهو من الطّيرة . لسان العرب ، ج 4 ، ص 319 . ( 2 ) بنشكلة ( Peniscola ) : من ثغور شرق الأندلس ، تقع على ضفة البحر جنوب طرطوشة وهي واحدة من حصونها وقلاعها المنيعة . وصفها الحميري بأنها عامرة وآهلة ولها قرى وعمارات ومياه كثيرة وبها عين ثرّة تريق في البحر . ويقابل مرساها من برّ العدوة مرسى جزائر بني مزغنة كما يقول البكري . وهي التي أنجبت واحدا من أغرب شخصيات التاريخ الأندلسي الذي حمل لواء الصراع الشهير ضد الموحدين ، يتعلق الأمر بأبي عبد اللّه محمد بن سعد بن محمد بن سعد بن مردنيش الجذامي ( 518 - 567 ه / 1124 - 1172 م ) . وكان سقوطها في أيدي نصارى أراجون مع حصون وقرى أخرى سنة 632 ه / 1234 م ، تمهيدا لسقوط الثغر الإسلامي العظيم وهو مدينة بلنسية سنة 636 ه / 1238 م . البكري ، المسالك والممالك ، ص : 82 . الحميري ، الروض المعطار ، ص 104 . ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، ج 7 ، ص 131 . ( 3 ) استعارة مكنية شبه فيها المؤلف السفينة الحربية ( الغراب ) بالكائن الحي الذي له جسد وحواس كالعين وغيرها . ( 4 ) جناس ناقص بين " مفقودة ومفقوءة " .