أحمد بن عميرة المخزومي
36
تاريخ ميورقه
يذكر المؤلف أن أكثر مدة الوالي أبي يحيى التنملي أثناء حكمه لميورقة وجزر البليار كانت نافعة وأمور رعيته مرعية وسياسته سديدة مرضية ، إلى أن خلع قومه من الأندلس فأوى إليه طرداء منهم آواهم وتأثر لحالهم ، فكان هؤلاء بدأة الشر الذي باض وفرّخ . فقد أشاروا عليه بالاحتراس وحملوه على إساءة الظن بالناس وطلبوا منه أن يمكّنهم من الجماعة الأندلسية من أهل ميورقة لينتقموا منهم ثأرا لما حل بهم في الأندلس من طرد وخلع . وظلوا يغرونه بهم ظلما ، ويغيرون صدره عليهم ، ويدفعونه إلى أعمال الجور حتى أفسدوا أمره ، فساءت الأحوال ، وأطلت الفتنة برأسها ، وانضم كل ذي حي إلى حيه ، وأصبح كل طرف يتوجس خيفة من الطرف الآخر ، إلى أن وصلت الأمور إلى حدّ التآمر والتصفية الجسدية كما سنبينه في حينه ، بعد أن نوضح موضوع خلع قوم الوالي من الأندلس الذي أشار إليه المؤلف إشارة عابرة . من المعلوم أنه في منتصف شهر صفر سنة 609 ه / جويلية 1212 م قد حلت بالمسلمين في الأندلس نكبة مروّعة وهزيمة كبيرة في معركة العقاب على يد قوات الممالك الإسبانية المسيحية وحلفائها من أهل الصليب الذين حشدتهم البابوية . وكانت خسائرهم فادحة جدا ، وهلك معظم الجيش الموحدي ، ولم ينج الخليفة الموحدي الناصر مع عدد قليل من حرسه إلا بأعجوبة . وخلفت هذه الهزيمة في النفوس آثارا لا تمحى ، واستقر في معظمها شعور بأن الأمر قد ضاع ولا سبيل إلى تلافيه . وفي أيام المستنصر خامس الخلفاء الموحدين ( 610 - 620 ه ) تلاشت بقية الأمل في الموحدين ، فقد نجم لهم بنو مرين وبدأوا معهم صراع المصير في المغرب ، وكان عليهم أن يتجرعوا نفس الكأس التي جرّعوها للمرابطين من قبل « 1 » .
--> ( 1 ) ابن الأبار ، الحلة السيراء ، ج 1 ، ص : 22 .