أحمد بن عميرة المخزومي
113
تاريخ ميورقه
بالإسناد في الجبل ، والاستبداد بذلك العمل ، وكان ذلك سبب الكسرة الخاصة بالبلد ، الحاصّة « 1 » أجنحة المدد ، وبقيت الرّعية على نصرة البلد حراصًا ، ورجت أن تجد له من أسر الحصر خلاصا . فأعادت على الوالي رغبتها تلك ، واقترحت من بنيه من ينظم ذلك السلك ، فأبى غير ذلك المشؤوم ، وأخرجه ثانية لمناجزة الرّوم ، فلما رأوه تشاءموا بوجهه ، وهمّوا بنجهه « 2 » . وطلبوا من الوالي غيره فما أسعفهم ، وأعادوا الرّغبة عليهم فعنّفهم ، ولمّا برز بهم / 33 / هذا القائد الواهي ركنه ، المجرّب شؤمه وجبنه ، مشى بأنكد جدّ ، وأنكل حد « 3 » ، ودنا من العسكر في العدد الأكثر ، والجمع الأوفر ، ونذر بهم الرّوم فركبوا تلقاءهم ، وقصدوا لقاءهم . فلمّا أطلّوا من بعيد ولّاهم قفاه ، وأطاع مصرّفيه الجبن والشؤم فما استوقفاه ، وفرّ قبل لف الخيل بالخيل « 4 » ، وجرّ على المسلمين ذيل الويل ، فإنهم بفراره انتقضت عراهم ، وأعداهم ما عراه من الوهل « 5 » فعراهم ، واتبعهم النصارى فقتلوا منهم مقتلة كبيرة ، وأمطروا عليهم من البلاء سحبًا غزيرة « 6 » .
--> ( 1 ) الحاصّة : هي العلة التي تحصّ الشعر وتذهبه . والحصّ : حلق الشعر ، حصّه يحصّه حصا . وقيل : هو إذهاب الشعر عن الرأس بحلق أو مرض . ويقال : طائر أحص الجناح ، أي منتوف الجناح . وتحصّص الحمار والبعير سقط شعره ، والحصيص اسم ذلك الشعر . والحصيصة ما جمع مما حلق أو نتف . لسان العرب ، ج 7 ، ص 14 . ( 2 ) جناس ناقص بين " وجهه ونجهه " . ( 3 ) جناس ناقص بين " جدّ وحدّ " . ( 4 ) كناية عن الحرب ولقاء العدو . ( 5 ) الوهل : الفزع . وهل وهلا : ضعف وفزع وجبن ، وهو وهل ، ووهّله : أفزعه . ووهل يوهل فهو وهل ومستوهل . ووهلت إليه إذا فزعت إليه ، ووهلت منه إذا فزعت منه . والوهلة : الفزعة . لسان العرب ، ج 11 ، ص 734 ( 6 ) استعارة مكنية فيها تشبيه للبلاء النازل على أهل البادية بالأمطار الغزيرة .