يزيد بن محمد الأزدي

75

تاريخ الموصل

وكان مساور قد انصرف عن حرب عبيدة وقد جمع كثيرا من أصحابه ، فلقوا مفلحا بجبل زيني ، فلم يصل مفلح منه إلى ما يريده ، فصعد رأس الجبل فاحتمى به ونزل مفلح في أصل الجبل ، وجرى بينهما وقعات كثيرة ، ثم أصبحوا يوما وطلبوا مساورا فلم يجدوه ، وكان قد نزل ليلا من غير الوجه الذي فيه مفلح لما أيس من الظفر لضعف أصحابه من الجراح ، فحيث لم يره مفلح سار إلى الموصل فسار منها إلى ديار ربيعة سنجار ونصيبين والخابور ، فنظر في أمرها ثم عاد إلى الموصل فأحسن السيرة في أهلها ، ورجع عنها في رجب متأهبا للقاء مساور ، فلما قارب الحديثة فارقها مساور ، وكان قد عاد إليها عند غيبة مفلح ، فتبعه مفلح فكان مساور يرحل عن المنزل فينزله مفلح ، فلما طال الأمر على مفلح وتوغل في الجبال والشعاب والمضايق وراء مساور ، ولحق الجيش الذي معه مشقة ونصب ، عاد عنه فتبعه مساور يقفو أثره ، ويأخذ كل من ينقطع عن ساقة العسكر فرجع إليه طائفة منهم فقاتلوه ثم عادوا ولحقوا مفلحا ، ووصلوا الحديثة فأقام بها مفلح أياما ، وانحدر أول شهر رمضان إلى سامراء فاستولى حينئذ مساور على البلاد وجبى خراجها وقويت شوكته واشتد أمره « 1 » . وفي هذه السنة خلع المهتدى بالله لأربع عشرة خلت من رجب وقتل ، وفي سبب خلعه قولان : أحدهما : أنه كتب إلى بعض الأتراك أن يقتل بعضهم ، فأطلع المأمور ذلك الرجل على هذا ، وقال له : إذا قتلتك اليوم قتلت أنا غدا ، قال : فما نصنع ؟ قال : ندير على المهتدى ، فقدم ذلك المأمور على المهتدى فقال له : ألم آمرك بقتل من أمرتك بقتله ؟ ! فتعلل عليه ؛ فأمر بقتله فقتل ورمى رأسه إلى أصحابه ، ووقع القتال بين الناس وخرج المهتدى يقاتل ويقول : يا معشر الناس ، انصروا خليفتكم ، فآل الأمر إلى أن قتلوه . والقول الثاني : إنه كان قد كتب رقعة بخطه أنه متى غدر بهم أو اغتالهم فهم في حل من بيعته ، ولما كتب إلى بعضهم أن يقتل بعضا استحلوا نقض بيعته ودعوه إلى خلع نفسه فأبى ، فخلعوا أصابع يديه من كفيه وأصابع رجليه من قدميه ، فورم ومات ، ويقال : عذبوه بفنون العذاب وأشهدوا على موته « 2 » . وبايعوا أحمد بن المتوكل ولقبوه المعتمد على الله ، وكنيته أبو العباس ، وقيل : أبو جعفر ، في سادس عشر رجب .

--> ( 1 ) ينظر : الكامل ( 7 / 226 ، 227 ) . ( 2 ) ينظر : المنتظم ( 12 / 102 ) .