يزيد بن محمد الأزدي
231
تاريخ الموصل
إليه كثير من العساكر من بغداد والشام ومصر من أصناف الناس ؛ لإحسانه الذي كان إليهم ، وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان فصار معه ، وأقام بالموصل تسعة أشهر وعزم على الانحدار إلى بغداد « 1 » . وفيها عزل الحسين بن القاسم عن الوزارة ، وكانت وزارته سبعة أشهر ، واستوزر المقتدر أبا الفتح الفضل بن جعفر ، وسلم إليه الحسين ، فلم يؤاخذه بإساءته . وفيها قتل الخليفة المقتدر بالله . وبيان ذلك : أنه لما اجتمعت العساكر على مؤنس بالموصل قالوا له : اذهب بنا إلى الخليفة ، فإن أنصفنا وأجرى أرزاقنا ، وإلا قاتلناه ، فانحدر مؤنس من الموصل في شوال ، وبلغ خبره جند بغداد ، فشغبوا وطلبوا أرزاقهم ، ففرق المقتدر فيهم أموالا كثيرة ، إلا أنه لم يسعهم ، وأنفذ أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصري في خيل عظيمة إلى سر من رأى ، وأنفذ أبا بكر محمد بن ياقوت في ألفي فارس - ومعه الغلمان الحجرية - إلى المعشوق ، فلما وصل مؤنس إلى تكريت أنفذ طلائعه ، فلما قربوا من المعشوق جعل العسكر الذين مع ابن ياقوت يتسللون ويهربون إلى بغداد ، فلما رأى ذلك رجع إلى عكبرا ، وسار مؤنس فتأخر ابن ياقوت وعسكره وعادوا إلى بغداد ، فنزل مؤنس بباب الشماسية ، ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم ، واجتهد المقتدر بابن خاله هارون بن غريب ليخرج ، فلم يفعل ، وقال : أخاف من عسكرى ؛ فإن بعضهم أصحاب مؤنس ، وبعضهم قد انهزم أمس من مرداويج ، فأخاف أن يسلمونى وينهزموا عنى . فأنفذ إليه الوزير ، فلم يزل به حتى أخرجه . وأشاروا على المقتدر بإخراج المال منه ومن والدته ليرضى الجند ، ومتى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرقوا عنه واضطر إلى الهرب ، فقال : لم يبق لي ولا لوالدتى جهة شيء ، وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط ويكاتب العساكر من جهة البصرة والأهواز وفارس وكرمان وغيرها ، ويترك بغداد لمؤنس إلى أن يجتمع عليه العساكر ويعود إلى قتاله ، فرده ابن ياقوت عن ذلك ، وزين له اللقاء ، وقوى نفسه بأن القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه ، فرجع إلى قوله وهو كاره ، ثم أشار عليه بحضور الحرب ، فخرج وهو كاره ، وبين يديه الفقهاء والقراء معهم المصاحف مشهورة ، وعليه البردة والناس حوله ، فوقف على تلّ عال بعيد عن المعركة فأرسل قواد أصحابه يسألونه التقدم مرة بعد أخرى وهو واقف ، فلما ألحوا عليه تقدم من موضعه فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم .
--> ( 1 ) ينظر : الكامل ( 8 / 239 ، 240 ) .