يزيد بن محمد الأزدي
223
تاريخ الموصل
فأجلسه بين يديه واستدناه وقبل جبينه ، وقال : يا أخي ، أنت لا ذنب لك ، وقد علمت أنك قهرت ، والقاهر يقول : الله الله ! نفسي نفسي يا أمير المؤمنين ! ! فقال له : وحق رسول الله ، لا جرى عليك منى سوء أبدا . وعاد ابن مقلة فكتب إلى الأماكن بخلافة المقتدر . وفيها بذرق الحاج منصور الديلمي ، وسلموا في طريقهم ، فلما وصلوا إلى مكة وافاهم أبو طاهر الهجري إلى مكة يوم التروية ، فقتل الحاج في المسجد الحرام وفي الفجاج من مكة ، وقتلهم في البيت قتلا ذريعا ، وكان الناس في الطواف وهم يقتلون ، وكان في الجماعة علي بن بابويه يطوف ، فلما قطع الطواف ضربوه بالسيوف ، فلما وقع أنشد : ترى المحبين صرعى في ديارهم * كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا واقتلع الهجري الحجر الأسود ، وقلع قبة بئر زمزم وعرى الكعبة ، وقلع باب البيت ، وأصعد رجلا من أصحابه ليقلع الميزاب ، فتردى الرجل على رأسه ومات ، وقتل أمير مكة وأخذ أموال الناس وطرح القتلى في بئر زمزم ، ودفن باقيهم في مصارعهم وفي المسجد الحرام من غير أن يصلى عليهم ، وانصرف إلى بلده وحمل معه الحجر الأسود فبقى عندهم أكثر من عشرين سنة إلى أن ردوه « 1 » . وفيها في منتصف المحرم وقعت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين أهل المربعة والبزازين ، فظهر أصحاب الطعام عليهم أول النهار فانضم الأساكفة إلى أهل المربعة والبزازين ، فاستظهروا بهم وقهروا أصحاب الطعام وهزموهم ، وأحرقوا أسواقهم وتتابعت الفتنة بعد هذه الحادثة ، واجترأ أهل الشر وتعاقد أصحاب الخلقان والأساكفة على أصحاب الطعام ، واقتتلوا قتالا شديدا دام بينهم ، ثم ظفر أصحاب الطعام فهزموا الأساكفة ومن معهم ، وأحرقوا سوقهم وقتلوا منهم ، وركب أمير الموصل - وهو الحسن بن عبد الله بن حمدان ، الذي لقب بعد بناصر الدولة - ليسكن الناس فلم يسكنوا ولا كفوا ، ثم دخل بينهم ناس من العلماء وأهل الدين ، فأصلحوا بينهم . وفيها وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين غيرهم من العامة ، ودخل كثير من الجند فيها ؛ وسبب ذلك أن أصحاب المروزي قالوا في تفسير قوله تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] هو أن الله سبحانه يقعد النبي معه على العرش ، وقالت الطائفة الأخرى : إنما هو الشفاعة ؛ فوقعت الفتنة واقتتلوا ، فقتل بينهم قتلى كثيرة .
--> ( 1 ) ينظر : المنتظم ( 13 / 279 - 281 ) .